الدليل العربي
حقوق الإنسان والتنمية
الفهرس
تقديم
مقدمة
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الإتفاقيات الدولية


دليــل المفاهيم والمصطلحات

د. نيفين عبد المنعم مسعد
أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، رئيس تحرير مجلة قضايا حقوق الإنسان.

مقدمة:
يمثل هذا الفصل التاسع والأخير من الدليل العربي لحقوق الإنسان والتنمية البشرية، ويأتي إصداره في سياق الدليل لتحقيق أهداف ثلاثة أساسية أحدها إيضاح بعض المصطلحات القانونية التي تثير الالتباس، سواء بسبب تنوع المرجعيات ذات الصلة ما بين أنجلوساكسونية ولاتينية وإسلامية في البلدان العربية التي يستهدفها الدليل بمادته العلمية. والآخر التميز بين عدد من المفاهيم العامة المتداخلة، والتي يعزى تداخلها إلى أسباب منها الصلة الوثيقة بين مفهوم وآخر كما بين الاستفتاء والانتخاب، أو بين البرلمان والمجلس المحلى. والثالث رصد بعض أبرز المفاهيم الجديدة في مجال حقوق الإنسان والتنمية، وتحليل الأبعاد الجديدة لمفاهيم سبق تداولها في المجال ذاته. وارتباطاً بهذه الأهداف الثلاثة، ينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام رئيسية تغطى المصطلحات القانونية المتداخلة، والمفاهيم العامة المتداخلة، والمفاهيم الجديدة والمتجددة على التوالي.
وفي معرض التمهيد لهذا العمل تبرز الحاجة إلى إجلاء بعض المحددات المنهاجية التي حكمت إطاره العام ومثلت ضابطاً له، وأهم تلك المحددات ما يتعلق بمجلتي التضمين والاستبعاد التي خضعت لهذه المصطلحات والمفاهيم المتصلة بحقوق الإنسان والتنمية. ومنذ البداية، من المهم التأكيد على أنه لم يكن في ذهن أي من القائمين على إصدار الدليل، أن يكون هذا الدليل مصرياً شاملاً كل ما يمكن له أن يشمل، لكن القصد منه كان أن يكون استثنائياً أي يشمل على ما ينبغي أن يشتمل عليه. وعلى الرغم من أنه يجوز الاختلاف حول ما الذي ينبغي تناوله وما الذي لا ينبغي، إلا أنه يمكن القول إن عملية الاختيار خضعت لمداولات واسعة بين عدد من أبرز المختصين في دراسات حقوق الإنسان والتنمية، وجاءت على خلفية مطالعة عدد كبير من الموسوعات والأدلة والمعاجم التي تعكس قائمة الصادر والمراجع بعض نتائجها. إضافةً إلى ذلك فقد روعي في اختيار المفاهيم والمصطلحات إزجاء حاجة لمسها القانون على إصدار هذا العمل بحكم خبرتهم في حقوق الإنسان على المستوى العربي، أي الحاجة إلى نشر الوعي والمفاهيم المختلفة التي تعبر عن المعنى نفسه أو عن معنى قريب منه من بلد عربي أو آخر، وهو ما يطلق عليه البعض تجسيد الفجوة بين المشرق والمغرب العربيين، والأفضل أن يوصف بتنمية الوعي العربي بثقافة حقوق الإنسان.
وفوق ما سبق فإن هذه المادة تظل قابلة لمزيد من التطوير والإضافة في إطار خطة التجديد المتواصل لمجمل مادة الدليل التي ستبث على شبكة المعلومات الدولية على الموقع الخاص بالمشروع.
ضابط منهاجي آخر يتعلق بالتمييز الذي سوف يجده القارئ الكريم لهذا العمل بين المصطلح والمفهوم. وينبع هذا التمييز في الواقع من كون المصطلح يشير إلى اللفظ الذي يصطلح مجموعة من المختصين في فرع من فروع المعرفة على إكسابه معنىً محدداً بذاته، بحيث يصير الاتفاق بين هؤلاء المختصين هو محل التعريف ومحدده. ومن قبيل ذلك اتخاذ مصطلح البنية معنىً مختلفاً في مجالي علم الاجتماع والسياسة. أما المفهوم فإنه يتخذ طابعاً أكثر تحديداً من الطابع الوضعي الذي يميز المصطلح، كونه يجسد القيم النابعة من داخل كل حضارة من الحضارات الإنسانية. ومن قبيل ذلك مفهوم الديمقراطية في سياق الحضارة الغربية ومفهوم الشورى في نطاق الحضارة العربية الإسلامية. الضابط المنهاجي الثالث يختص بمصادر الدليل، وهى إشكالية حقيقية واجهها القائمون على إصدار العمل. وذلك أنه بالإضافة إلى المعاجم وذلك فضلاً عن مقالات الرأي والدراسات الأكاديمية الرصينة. وفي التعامل مع هذه الإشكالية حرص معدو الدليل على التركيز على وثائق الأمم المتحدة لأنها تعكس وبشكل مباشر مجمل التطور في فكر المجتمع الدولي في مقربة قضايا حقوق الإنسان والتنمية، من دون أن يعنى ذلك القطع مع المصادر الأخرى التي تقدم اجتهادات فردية ورؤى تحليلية تقوى مادة الدليل وتنميها.
الضابط المنهاجي الرابع والأخير يتصل بتسلسل المفاهيم والمصطلحات في كل قسم من الأقسام الثلاثة، وقد خضع هذا التسلسل للترتيب الهجائي بعد رد كل مفهوم أو مصطلح إلى جذره اللغوي المباشر (مشروعية من شرع، الحرمان من الجنسية من حرم ... وهكذا). 
وقد تعددت المرادفات العربية لمفهومGovernance للتعبير عن دلالته ومحتواه والهدف منه. فثمة اتجاه يترجم المفهوم إلى الحاكمية، إلا أنه قوبل بتحفظات عدة يتصل أبرزها بالصبغة الدينية والتاريخية التي يكتسي بها. ويترجم اتجاه آخر المفهوم إلى الحكم وهو ما انتقد بدوره كونه يغفل الجانب المجتمعي ويركز على الجانب المتصل بالدولة. ومن هنا برزت الترجمة الأكثر ذيوعا التي تجعل من المفهوم مرادفا لإدارة شئون الدولة والمجتمع. لكن في مقابل هذا الاختلاف حول ترجمة المفهوم، يوجد ثمة اتفاق حول مضمونه الذي يجعل لحسن الإدارة بعدين، أحدهما سياسي والآخر اقتصـادي اجتماعي. تجلى ذلك في

أولا: المفاهيم الجديدة والمتجددة

1- إدارة شئون الدولة والمجتمع Governance
ظهر هذا المفهوم منذ عام 1989 في كتابات البنك الدولي في إشارة إلى كيفية تحقيق التنمية ومحاربة الفساد في الدول الأفريقية جنوب الصحراء، ثم ما لبث أن اكتسب أهمية خاصة في مجالات الإدارة العامة والسياسات المقارنة مع الانتقال من التركيز على مفهوم الحكومة الذي يقوم على مسلمة اضطلاع الوزارة بالدور الرئيسي في ممارسة السلطة، إلى المفهوم موضع التحليل الذي يقوم على مشاركة المجتمع للوزارة في ممارسة تلك الإدارة.
تعريف قدمه البنك الدولي للمفهوم وصفه فيه بأنه "أسلوب ممارسة القوة في إدارة الموارد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد من أجل التنمية"، وهو التعريف الذي يقترب من التعريف الذي تبناه ديفيد إيستون لعلم السياسة بأنه "التوزيع السلطوي للقيم". كما تجلى أيضا في تعريف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وقوامه أن الـ Governance هو "ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والإدارية لإدارة للأفراد والجماعات تحقيق مصالحها". وفى هذا السياق من المفيد الإشارة إلى المؤشرات التي طرحها البنك الدولي للدلالة على المفهوم، وذلك على النحو التالي:
• الشفافية
• المساءلة (المحاسبية)
• المشاركة السياسية
• حكم القانون
ومن واقع تلك المؤشرات يذهب البعض إلى أن مفهوم إدارة شئون الدولة والمجتمع يمثل إعادة إنتاج مفهوم الديموقراطية الذي يتفق معه في المحتوى. وذلك في حين يذهب البعض الآخر إلى أن المفهوم الجديد أكثر شمولا كونه ينطوى على ترابط بين مختلف الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والإدارية، سواء على المستوى الرسمي أو المستوى غير الرسمي، الداخلي أو الإقليمي.

الشفافية
يشير مفهوم الشفافية إلى حرية الوصول إلى المعلومات وما يقابلها من الالتزام بالإفصاح عن هذه المعلومات، ويغطى مفهوم الشفافية كما يرى البعض ثلاثة مجالات رئيسية هي: إجراءات العمل، وتخصيص الموارد، وأسلوب اتخاذ القرار. أى أن الشفافية تعتمد على توفير المعلومات وعدم حجبها وانتقالها الحر بدون حواجز.
وتتحقق الشفافية عندما تترسخ حرية التعبير التي تمكن من الإعلام الحر، إذ أن حرية الإعلام ليست شرطا ضروريا للشفافية فحسب، ولكنها ضرورية كذلك لمباشرة المساءلة بقصد وقف أعمال التجاوز والتحايل، فضلا عن أهميتها لممارسة حق المشاركة في صنع القرار.

حكم القانون
يتضمن مفهوم حكم القانون أو سيادته إعمال القاعدة القانونية نفسها في الحالات المتماثلة، وبغض النظر عن المراكز الاجتماعية للأطراف ذات الصلة وهو ما يعبر عنه بالمساواة أمام القانون. ويرتبط حكم القانون باستقلال السلطة القضائية على نحو لا يسمح للسلطة التنفيذية بالتدخل في عملها والتأثير على أحكامها.

المساءلة (المحاسبة)
يشير مفهوم المساءلة إلى وجود طرق وأساليب متقنة ومؤسسية تمكن من مساءلة الشخص المسؤول ومراقبة أعماله وتصرفاته في إدارة الشئون العامة، مع إمكانية إقالته إذا ما تجاوز السلطة أو أخل بثقة الناس، وهذه المساءلة مضمونة بحكـم القانون ومتحققة بوجود قضـاء مستقل ومحايد ومنصف.

المشاركة السياسية
سبق تعريف مفهوم المشاركة السياسية (ص)، لكن في هذه الجزئية يمكن التركيز على بعد مهم من أبعاد المشاركة يتعلق بتمكين النساء Empowerment of women والذي يربط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بينه وبين إدارة شئون الدولة والمجتمع، حيث يجعل حسن الإدارة رهن إشراك النساء في صنع القرار على مختلف المستويات التي تبدأ بالأسرة وتنتهي بالدولة، مع التركيز على أهمية اقتران هذه المشاركة بامتلاك القوة الحقيقية.
وقد تأكد مثل هذا الربط خلال المؤتمر الدولي للحكم والتنمية المتواصلة والعدالة. ويكمن الاقتناع بأهمية مشاركة النساء في عملية صنع القرار وراء اتجاه عدد متزايد من الدول بما في ذلك على مستوى الوطن العربي لتخصيص حصص لتمثيل النساء في المجالس التشريعية.

2- الأصولية Fundamentalism
يعد مفهوم الأصولية من المفاهيم حديثة المنشأ نسبيا في المجال الثقافي الغربي، حيث لم يرد ذكره في اللغة والمعاجم إلا حديثا. وفي هذا الإطار يشير روجيه جارودي إلى أن كلمة أصولية لم يعرض لها معجم "روبير الكبير" سنة 1966، كما لم تتعرض لها الموسوعة العالمية سنة 1968. أما قاموس "لاروس الصغير" فقد أعطاها تعريفا بالغ العمومية مفاده أنها موقف أولئك الذين يرفضون تكييف العقيدة مع الظروف الجديدة، في حين ربطها "لاروس الجيب" سنة 1979 بالكاثوليكية وحدها على اعتبار أنها "استعداد لدى الكاثوليكيين الذين يكرهون التكيف مع ظروف الحياة الحديثة". ومن بعد توالى اهتمام المعاجم الغربية بالمفهوم مؤكدة أن الأصولي هو ذلك الشخص الرافض للتكيف مع مستجدات العصر ويستخدم العنف في مقاومتها.
وفي هذا الإطار تبنت الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم دراسة مختلف الأصوليات تحت عنوان "المشروع الأصولي" منذ عام 1988، وانتهت إلى أن الأصولية ترى ضرورة تشكيل العالم لاستخدام العنف والإرهاب، وتؤمن بضرورة السيطرة على وسائل التعليم والإعلام، إلى جانب رفضها التمييز بين الحياة العامة والحياة الخاصة، مع التأكيد على ضرورة التطبيق الحرفي للقانون الإلهي.
يذكر أن أول نموذج غربي جسد المعنى السابق للأصولية كان "النموذج الكنسي" حيث قمعت الكنيسة الحريات، وصادرت الأفكار والمعتقدات، ومارست الاستبداد السياسي، وشكلت محاكم التفتيش لتأديب المخالفين والرافضين والمحتجين.
هذا عن الأصولية في السياق الحضاري الغربي، أما عن الأصولية في السياق الحضاري العربي الإسلامي، فالملاحظ أن دارسي الظاهرة يختلفون شديد الاختلاف في تحديد نشأتها أكثر مما يختلفون حول تحديد دلالتها ومفهومها، إذ غالبا ما يتم إسقاط الخبرات الثقافية التي تحددت في ظل سياق غربي معين على هذا المفهوم.
وفي هذا الإطار يجرى تحديد الأصولية باعتبارها الرؤية التي تتخذ من الأصل، سواء كان نصا دينيا أو مذهبا سياسيا أو جذرا عرقيا، مرجعا أساسيا وسندا نهائيا لمفاهيمها وسلوكها. وفي جميع الأحوال فإن الوقوف على الدلالة المعاصرة لمفهوم الأصولية يفضي بنا إلى نتائج ثلاث أساسية:
أ- أن الدلالات التي يستنبطها هذا المصطلح في التداول اللغوي والثقافي الغربي، غريبة تماما عن الحمولات الدلالية التي يختزنها في المجال التداولي الثقافي واللغوي العربي الإسلامي، ذلك أن مفهوم "أصولية" ليس غريبا عن حقل اللغة والثقافة للإشارة إلى ما هو أصيل فيها ووليد شرعي لها. والمستقرئ للمعاجم العربية ولاستعمال القران الكريم والحديث لهذا المفهوم وأصله ومشتقاته لا يكاد يعثر على الدلالات التي يحملها المفهوم في الفكر الغربي أو في الترجمة العربية له.
ب- إن مادة (أ - ص - ل) وما يرتبط بها من مشتقات كأصول وأصيل تشير كلها بصورة أو بأخرى إلى أول الشيء وبدايته. أما في مجال العلوم الإسلامية فيعد علم الأصول بمثابة العلم التأسيسي، أي العلم الذي يمكن من عملية الفهم، فعلم الأصول بالنسبة للفقه بمثابة المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية، ومثل النحو بالنسبة لعلوم اللغة العربية. وبهذا المعنى فإن الأصولي هو العالم المشتغل بوضع المناهج والضوابط واستخراج القواعد الكلية عن طريق استقراء الأدلة المختلفة حيث يقدم خلاصة جهده للفقيه كى يوظفها في استنباط الأحكام الشرعية العملية من واقع أدلتها التفصيلية.
ج- إن القول بان "الأصولية" كمنهج فكرى يقوم على الانغلاق والإقصاء والعنف يجد أصوله في التجربة الحضارية الغربية لا يعنى أن التجربة التاريخية العربية الإسلامية في الماضي والحاضر قد سلمت من بعض أشكال "الأصولية" السلبية، من منطلق أن الحركات الأصولية تعد في المقام الأول حركات اجتماعية تقدم استجابات مختلفة للواقع المعاش، ومن تلك الاستجابات الميل إلى إلغاء الآخر على مستوى الخطاب أو إلى الانزلاق للعنف على مستوى الممارسة.
وتبعا لهذا التفسير السوسيولوجى فإن النزوع الأصولي لا يقتصر على الحركات الدينية وإنما يتعداها إلى كل حركة اجتماعية بما فيها الحركات العلمانية التي تتخذ أحيانا مواقف تتراوح بين إقصاء الغير والجمود النصي، وبين الانفتاح على الآخر والاستعداد للحوار معه.
د- إن التعامل مع ظاهرة الأصولية "الإسلامية" يجب أن يتم في إطار الوعي بأمرين، الأول محاولة توريث الإسلام عداء الغرب للشيوعية الذي خفت بانهيار الاتحاد السوفيتي. والآخر تجاهل أن المد الأصولي يشمل الديانات الثلاث من خلال ظاهرة صعود اليمين الجديد إلى السلطة أو ممارسته في القليل واحداً من أشكال التأثير عليها.

3- البيئة Environment
يعرف البعض البيئة بأنها نظام ديناميكي معقد ذو مكونات متشابكة ومتعددة، تأسيساً على أن التنمية أصبحت تتخذ منحى شمولياً ومتواصلاً على نحو جعل من الضروري إدماج البعد البيئي بين مكوناتها، والتأكيد على أن الأمن البيئي هو جزء متمم للأمن القومي والأمن العالمي. ويثير هذا المدخل في مقاربة مفهوم البيئة قضايا ثلاث أساسية، القضية الأولى ارتباط الحفاظ على البيئة بتطوير المشاركة الشعبية وحفز جهود المجتمع المدني وبالتالي ترسيخ أسس النظام الديمقراطي، خصوصا بعد أن تجاوز الاهتمام بتوفير حياة أفضل للإنسان حدود مكافحة التلوث البيئي التقليدي في الهواء والمياه والتربة إلى مكافحة التلوث ذاته على مستوى ما يؤذى السمع والبصر، وبالتالي استحداث مهام وأعباء جديدة تقصر عنها الإمكانيات الرسمية للدولة. القضية الثانية أن تلويث البيئة يتخطى انتهاك حقوق الجيل الحالي إلى الأجيال التالية بالنظر إلى تشعب آثاره وطول أمدها. القضية الثالثة تداعى آثار التهديد البيئي وتجاوزها الحدود السياسية للدولة لاسيما مع التطوير الكبير في وسائل الاتصال على نحو صار معه العالم أقرب ما يكون إلى القرية الصغيرة. وبالتالي فإن تسرب الغاز من أحد المفاعلات النووية، أو انتشار فيروس معد، أو تلوث مياه بحر أو محيط، أصبحوا يمثلون جميعاً تهديداً للبيئة الدولية بشكل عام، الأمر الذي أدى إلى التشديد على ضرورة التعاون الدولي في مجال الحفاظ على البيئة والتجاوز عن الاتهام التقليدي للدولة النامية بأنها المسئولة عن تلويث البيئة بعد أن أصبح معلوماً اقتران التقدم التكنولوجي بمستوى عال من التلوث، وبالتالي فإن المخاطر البيئية لا يخفف منها تملص الدول المتقدمة من مسئوليتها بل يحد منها تعاونها مع الدول النامية في مواجهتها. وفي هذا الإطار عقد عدد من المؤتمرات الدولية ذات الصلة، أهمها مؤتمر ريودي جانيرو. كما تم التوصل إلى بروتوكول كيوتو.

4- الحكومة الإلكترونية Electronic Government
تعد فكرة الحكومة الإلكترونية من الأفكار الجديدة في تطبيقها، إلا أنها على المستوى النظري تعد قديمة نسبيا حيث تجسدت المؤشرات الأولى لها في النصف الأول من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية بفضل جهود إدارة العمل والتأمينات الاجتماعية.
أما مفهومها فيشير إلى "المزج الكامل بين استراتيجية تنفيذ المهام والمسئوليات التي تضطلع بها الحكومة، واستراتيجية تكنولوجيا المعلومات واتجاهاتها العالمية الحالية والمستقبلية عند وضع السياسات العامة للدولة، واتخاذ الأساليب الإلكترونية منهاجا رئيسيا لآليات تنفيذ تلك السياسات". ويهدف هذا المفهوم إلى النظر في التطور الشامل الذي ألم بتكنولوجيا المعلومات واستخداماتها وفي تطبيق السياسات العامة للدولة استنادا إلى هذا التطور.
ومن أهم محاور الحكومة الإلكترونية ما يتصل بطبيعة العلاقة بين المؤسسات الحكومية والمواطنين والمقيمين على أرضها من الأجانب وما تقدمه لهم من خدمات، تلك العلاقة التي تتيح إمكانية تتبع أوجه الصرف وانتقال الأموال في حال اعتماد النقود الرقمية أو المعاملات المالية الإلكترونية، وتسمح بفرصة الاتجار في السوق الإلكترونية، فضلا عن تغلبها على كثير من المعيقات الثقافية لمحو الأمية من خلال نظام تعليمي جديد هو التعليم عن بعد، وجميعها متغيرات جديدة تهدف إلى مكافحة الجمود البيروقراطي وتستفيد من الإمكانيات الكبيرة التي تهيئها شبكة المعلومات العالمية في هذا الخصوص.
ويذهب البعض إلى أنه لكي تصبح فكرة الحكومة الإلكترونية ناجحة في المجتمع المعلوماتي يجب أن تـكون هناك منطقة "لا سياسية خالصة" (Non - political zone) تعمل من خلالها هذه الحكومة. وإن ظل أهم معيار لفاعلية الحكومة الإلكترونية يتوقف على مدى نجاحها في إخراج النشاط الإداري للدولة من الحالة الانتقائية. وكانت مسألة الانتقائية هذه قد شكلت محور نقاش الدورة الرابعة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة التي اعترفت بكونها (أي الانتقائية) نقيض المساواة والحياد والموضوعية، مما حدا إلى اعتبارها أمرا يتعارض مع حقوق الإنسان، وهو ما أكده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 54/174 بتاريخ 15/2/2000.
ومن أهم المسائل القانونية التي يثيرها عمل الحكومة الإلكترونية، ما يذكر بشأن إتمام الإجراءات الإدارية والمالية (كاستخراج جواز سفر أو بطاقة شخصية، أو القيام بتحويل مالي، أو الاطلاع على النتائج التعليمية للامتحانات والمباريات إلكترونيا) بإعداد نماذج معينة تعبأ عبر الإنترنت بغرض توفير الوقت والجهد والمال، وما يستلزمه ذلك من ضرورة وجود توافق على مشروعية هذا الإجراء بمعنى وجوب التزام النماذج المذكورة بالتشريع الذي وضعت على أساسه، مع ضرورة التعديل الدوري لتك النماذج لمسايرة التعديلات التي قد تدخل على التشريعات النافذة ذات الصلة.

5- التدخل الدولي الإنساني International Humanitarian Intervention
لم يشع استخدام مفهوم التدخل الدولي الإنساني بشكل ملحوظ إلا حديثا خاصة مع بداية عقد التسعينيات، إلا أنه يعد مفهوما قديما نسبيا؛ حيث وجد هذا المبدأ تطبيقات عديدة له في العمل الدولي منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما أن بعض مصادر مرجعيته تعود إلى مذاهب الفكر الديني والفلسفي الأوروبي. فقد ظهر المبدأ مرتبطا في جانب منه بما اصطلح على تسميته في الفكر القانوني والسياسي الغربي بالحرب العادلة أو المشروعة. إلا أنه ارتبط بعد الحرب العالمية الثانية بمبدأ حماية الأقليات، حيث جرى النظر إلى هذا التدخل باعتباره البديل الذي ينبغي اللجوء إليه في حالة إخفاق الأساليب الأخرى المتعارف عليها وقتذاك، أي قاعدة الحد الأدنى في معاملة الأجانب، ونظام الامتيازات الأجنبية، ومبدأ الحماية الدبلوماسية. مؤدى هذا أن التدخل إنما كان يستهدف توفير الحماية لرعايا الدولة أو الدول المتدخلة، ولم يكن مقصودا منه أبدا حماية مواطني الدولة أو الدول نفسها التي تنتهك فيها حقوق الإنسان وحرياته.
غير أنه مع نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام منظمة الأمم المتحدة أمست الحماية الدولية لحقوق الإنسان تمثل إحدى المبادئ الرئيسية الحاكمة للتنظيم الدولي. لكن على الرغم من وجود الضمانات الدولية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية التي قررتها المواثيق والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ومنها الضمانة المتمثلة في إمكان تدخل المجتمع الدولي لكفالة الاحترام الواجب لهذه الحقوق وتلك الحريات إلا أنها كمبدأ عام ظلت بعيدة عن التطبيق الفعلي خلال العقود الأربعة الأولى من حياة الأمم المتحدة، ثم تكرر اللجوء إليها في عقد التسعينيات بشكل انتقائي. وتحكم مبدأ التدخل الإنساني في الغالب الأعم اعتبارات المصالح السياسية المباشرة للجهة ذات المصلحة في التدخل، وإن كان عادة ما يجرى تبرير هذا الإجراء بفكرة الواجب الأخلاقي بحيث يعدو هذا التدخل تدخلا أخلاقياً.
وبناء على ذلك فقد انقسم الفقه القانوني الدولي العام في موقفه من مدى مشروعية التدخل الإنساني أو التدخل لأغراض إنسانية إلى: فريق موافق وآخر معترض، يتوسطهما فريق يعلق المبدأ على عدة شروط أهمها: وقوع انتهاكات جسيمة وبشكل منتظم لحقوق الإنسان الأساسية واستنفاد كافة محاولات وقف مثل هذه الانتهاكات سواء بشكل صريح أو بشكل ضمني، وإمعان السلطات المعنية في الدولة في عدم بذل أي جهد لتغيير الأوضاع نحو الأفضل، والالتزام بالمعايير الدولية المستقرة في شأن احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وألا يكون من أهداف هذا التدخل بشكل خاص السعي إلى إحداث أي تغيير في هيكل السلطة في المجتمع، وألا يكون انتقائيا بل يقع حيثما تتأكد موجبات وقوعه، وأن يتم بإرادة جماعية بناء على قرار صحيح صادر عن الأمم المتحدة أو عن إحدى المنظمات الأخرى ذات الصلة ولا تضطلع بمسئوليته دولة (أو دولتان) أيا يكن وضعهما في إطار النظام الدولي، وألا يكون من شأن هذا التدخل إحداث أضرار تتجاوز الهدف المتوخى منه.
وقد شهدت مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي ارتبطت بإنشاء منصب منسق الإغاثة الطارئة Emergency Relief Coordinator في نهاية عام 1991 جانباً من التعبير عن اتجاهات الآراء السابقة. فقد عارضت مصر والمكسيك إقرار حق التدخل الدولي الإنساني استناداً إلى نص المادة (2) فقرة (7) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التدخل في أمور سياسية تعد من صميم الاختصاص الداخلي للدول. وعبر ممثل كل من بريطانيا والبرازيل عن الموقف نفسه انطلاقاً من أن "من غير المقبول أخلاقياً التدخل ضد سيادة الدول الأعضاء". وعلى الرغم من تأييد ممثل فرنسا إنشاء وظيفة المنسق الدولي إلا أنه انضم إلى الرأي السابق وهاجم الترخيص بالتدخل. لكن في مواجهة هذا الاتجاه المعارض، كان ثمة اتجاه آخر يؤيد التدخل، وقد سبق للأمين العام السابق للأمم المتحدة سير خافير بيريز دى كويار أن عبر عن هذا الموقف في عام 1991 عندما أعلن أن السيادة لا تعنى سلطة تنفيذ المذابح الجماعية. وأيده في موقفه وزير الخارجية الإيطالي في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام نفسه منوهاً إلى أن "التدخل الذي يهدى إلى تأمين حقوق الإنسان واحترام المبدأ الأساسي للتعايش السلمي، امتياز للجماعة الدولية التي ينبغى أن تكون لها القوة لوقف السيادة حينما تمارس بطريقة إجرامية". كما دعا ممثلو بعض دول أوروبا الشرقية داخل الجمعية العامة إلى اعتبار حقوق الإنسان شأناً عاماً، ومقاومة السيادة التي تتخذ ذريعة لتجاهل تلك الحقوق.
وعززت التطورات خلال التسعينيات من الجدل الدولي حول التدخل الدولي الإنساني بفعل ثلاثة عوامل متزامنة، أولها وقوع أزمات داخلية كبرى في عدة دول تتخللها انتهاكات جسيمة ومنهجية تصل إلى حد الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية يكون قد راح ضحيتها آلاف الضحايا (الصومال – البوسنة – رواندا – كوسوفو – تيمور الشرقية) وأدت إلى تدخلات عسكرية دولية من خلال أنماط مختلفة تحت لافتة التدخل الإنساني. وثانيها أثر تغير ميزان القوى داخل الأمم المتحدة بعد زوال الاتحاد السوفيتي وغياب القطبية الثنائية، وزيادة هواجس بعض المجموعات الدولية وخصوصاً البلدان النامية المعرضة لأن تكون هدفاً لمثل هذا التدخل. وثالثها توجه الأمم المتحدة نحو تقنين مبدأ التدخل الدولي الإنساني، عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره المقدم إلى قمة الدورة الألفية للجمعية العامة في سبتمبر/أيلول 2000.

6- السيادة Sovereignty
يعد مبدأ سيادة الدولة من المبادئ الأساسية التي انبثقت عن صلح وستفاليا سنة 1648، وشكل من ذلك الحين أحد أهم القواعد التي قام عليها النظام الدولي الحديث بشكل أساسي. ويشير مفهوم السيادة داخليا إلى السلطة الشرعية الشاملة والمطلقة التي تمارسها الدولة على إقليم محدد. أما خارجيا فيرتبط المفهوم أساسا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وكذا المساواة القانونية بين هذه الدول في مختلف علاقاتها وتعاملاتها الدولية. وفي هذا الإطار اعتبر الفقه القانونى الدولي أن الدولة لا تكون مستقلة وذات سيادة إلا إذا توافرت لها ثلاثة شروط محورية، أولها استئثارها بممارسة كافة الاختصاصات والصلاحيات المتصلة بشئون إقليمها. وثانيها استقلالها في ممارستها لهذه الاختصاصات والصلاحيات عن أى ضغط أو تأثير من أية قوة دولية وعدم الخضوع لها. أما ثالثها فيتمثل في شمولية ممارستها لاختصاصاتها وصلاحيتها بحيث لا يتم تقييد مجالها.
ويترتب على هذا المفهوم التقليدي للسيادة أن الدولة تستأثر بوضع نظامها الدستوري، والسياسي، والأمني، ورسم توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية، واختيار منظوماتها الثقافية والإعلامية والقيمية، وذلك في استقلال تام عن مختلف القوى والمؤثرات الخارجية. ويجرى في هذا السياق التمييز بين ثلاثة أنواع أساسية للسيادة هي: السيادة الشعبية، والسيادة الوطنية، وسيادة الحق الإلهي.
لكن على الرغم من أن مفهوم السيادة لا يزال يتمتع ببعض مظاهره الأساسية (البعثات الدبلوماسية، احترام الحدود السياسية، العلم الوطني، الوظيفة العسكرية) إلا أنه وبفعل العديد من التحولات العالمية لم يعد نافذ المفعول. فلقد أصبحت الدولة عاجزة عن السيطرة على تنامي التأثيرات الخارجية على أوضاعها الداخلية، تلك التأثيرات التي تتجلى عبر وسائل مختلفة من قبيل ظاهرة الهجرة والمشاكل المصاحبة لها والآخذة في التفاقم بفعل تسييل الحدود بين الدول. كما أن سيادة الدولة فيما يتصل بلغتها الوطنية وثقافتها ومنظومة قيمها أخذت في التآكل أمام تأثيرات وسائل الإعلام الكونية والأقمار الصناعية في شبكة المعلومات الدولية. هذا إلى أن سيادة الدولة على اقتصادها الوطني ممثلا في عملتها الوطنية قد بدأت في التراجع الفعلي أمام منافسة البطاقات الائتمانية التي تعمل خارج نطاق النظام المصرفي، على صعيد آخر، تأثر النشاط الاقتصادي للدولة بتطور البورصات العالمية وتدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال الدولية. أكثر من ذلك فإن تفرد الدولة بتحقيق الأمن على أرضها أصبح ينال منه تكاثر المؤسسات الأمنية الخاصة التي تتكفل بحماية الشخصيات العامة وحفظ ممتلكاتها. وبالتوازي مع ذلك، أخذت تتحلل مظاهر السيادة الوطنية على المستوى الدولي بتنازل بعض الحكومات عن جانب من اختصاصاتها الداخلية للمجتمع الدولي من قبيل مراقبة الانتخابات، والتفتيش على أوضاع السجون، مع الاتجاه نحو تقنيين أشكال من التدخل تحت مسمى التدخل الدولي الإنساني. وقد استهل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان هذا التطور بطرح فكرة مفهومين للسيادة، أكد من خلالهما على أن جوهر مبدأ سيادة الدولة يجرى تعريفه في ظل العولمة والتعاون الدولي، وأن الدولة أصبح ينظر إليها كخادم للشعب وليس العكس، وأنه أصبح من المتعين على المجتمع الدولي أن يصل إلى توافق ليس فقط بشأن مواجهة الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان أينما وقعت، لكن أيضا بشأن طريقة صنع القرار حول الإجراءات الضرورية لمواجهة تلك الانتهاكات ومن يتخذ هذه الإجراءات.
وبوقوع أحداث سبتمبر/أيلول 2001 اكتسب منطق تقييد السيادة دفعة أكبر من منطلق حماية مصالح المجتمع الدولي، وشرع بعض منظري الولايات المتحدة في تبرير هذا التقييد بمبررات ثلاثة هي: قمع المواطنين وقهرهم، وممارسة الإرهاب، وحيازة أسلحة الدمار الشامل وتهريبها للجماعات الإرهابية. لكن المهم في تصور تآكل السيادة الوطنية تحت تأثير العولمة، الوعي بالاختلاف النسبي في هذا التأثير من دولة لأخرى بحسب توازنات القوة السائدة ودرجة إسهام كل منها في إنتاج مظاهر العولمة. وبالتالي فإن سيادة دولة مثل الولايات المتحدة تعد الأقل تضررا من نتائج العولمة، طالما أن جملة المؤسسات التي ساهمت بدور في إنشائها وفي مقدمتها منظمة التجارة العالمية لا تلزمها سياستها بالضرورة، هذا في الوقت الذي يشرع فيه برلمانها قوانين تسرى على العالم (قانون داماتو وحماية الأقليات كنموذجين)، كما تعطى لنفسها الحق في التدخل لتغيير النظم السياسية للدول بالمخالفة الصريحة لميثاق الأمم المتحدة، وتطالب بإنهاء الوجود الأجنبي في هذه الدولة أو تلك فيما تحتل قواتها دولا أخرى.

7- الشبكات Networks
يعد مفهوم الشبكات من المفاهيم الحديثة التي شاع استخدامها بشكل ملحوظ في السنوات القليلة الماضية للإشارة إلى عملية التشبيك (Networking) التي تربط أعدادا كبيرة من مؤسسات المجتمع المدني الوطنية والإقليمية التي يتجاوز نشاطها وعملها الحدود السياسية أو الجغرافية بغرض الدفاع عن قضايا لها صفة الكونية. فالشبكات بهذا المعنى تعبر عن ظاهرة "عولمية" تتجاوز الحدود الوطنية لينتظم في إطارها المواطنون من كل الأجناس والعقائد والأيديولوجيات دفاعا عن قضايا وقيم تشكل موضوع توافق عالمي، كالدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، والبيئة، والمرأة، والتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، فالشبكة تحيل إلى جملة العمليات والأنشطة التي يقوم بها بعض مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها المنظمات غير الحكومية على الصعيد العالمي لتحقيق أكبر قدر من التضامن والتآزر حول القضايا التي تؤمن بها وتدافع عنها.
بقول آخر تعبر الشبكات عن إطار طوعي يضم أفرادا أو مجموعات أو منظمات بطريقة أفقية غير تراتبية تهدف إلى تبادل المعلومات والخبرات والتجارب، كما تمثل آلية للتواصل ومصدرا للقوة والتأثير. ولقد جرى التعبير عن ظاهرة التشبيك بتعبيرات مختلفة كتعبير المجتمع المدني العالمي، ولو أن البعض يذهب إلى أن الشبكة ما هي إلا مكون من مكونات هذا المجتمع، وكتعبير المجتمع المدني غير القومي، وتعبير المنظمات الدولية غير الحكومية، وكذا المنظمات غير الحكومية متعددة الجنسية، وإن كان يؤخذ على المضاهاة بين المنظمات غير الحكومية والشبكات إهمال حق الأفراد غير المنظمين مؤسسيا بالضرورة في الالتحاق بتلك الشبكات، إضافة إلى أن بعض الشبكات قد تجمع في عضويتها منظمات رسمية إلى جانب تلك غير الرسمية، وإن كان ذلك يمثل الاستثناء كون الأصل في الشبكات أنها تعبر عن أشكال من التفاعلات غير الرسمية.
والواقع أن الحديث عن الشبكات بصيغة الجمع يعكس، في حقيقة الأمر، حجم التنوع فيما يتصل بعدد الأعضاء، ومجال الانتشار الجغرافي، وإمكانات التمويل، وكذا طبيعة النشاط وأهدافه. ويعد الاتجاه نحو التشبيك امتدادا نوعيا للحركات الاجتماعية التي استطاعت خلال القرن العشرين أن تواجه مختلف مظاهر الاستغلال الرأسمالي حيث حرص العمال على بلورة تنظيمات وطنية أسفرت عن إقرار تشريعات لحماية البيئة، وتكوين اتحادات عمالية قوية، وفرض ضرائب تصاعدية، والاستثمار في مجال الخدمات العامة.
أكثر من ذلك شكلت الدول النامية في السبعينيات من القرن الماضي مجموعة الـ 77 التي كان لها الفضل في انطلاق الحوار بين الشمال والجنوب من أجل صياغة نظام اقتصادى عالمي جديد. غير أن انسحاب الدول الغنية من هذا الحوار في الثمانينيات ومساندتها للسياسات التي يفرضها صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية على دول الجنوب، أدى إلى قيام شبكات من الجمعيات الأهلية لمقاومة هذه السياسات، وهو ما اتضح بشكل ملموس في مؤتمر سياتل حيث عملت هذه الشبكات على تدعيم مطالب مجموعة الـ 77 فيما يتصل بإلغاء ديون الدول الفقيرة، وزيادة المعونات المقدمة لها وتيسير حصولها على التكنولوجيا.
وبالتالي فإن وجود تنظيمات اجتماعية وثقافية عالمية تهتم بقضايا محددة ليس ظاهرة جديدة، إنما الجديد فيها هو ظاهرة التشبيك التي ظهرت حديثا بين الهيئات الأهلية التي تبدأ على مستوى القاعدة في المجتمعات المحلية وترتفع إلى مستويات وطنية وإقليمية وعالمية. ومن ثم فإن ظاهرة التشبيك أو الشبكات تختلف عن التنظيمات الأهلية العالمية السابقة التي عادة ما كانت تتصف بالنخبوية والتنظيم الفوقي.
ومن أمثلة الشبكات القاعدية جمعيات حماية البيئة وجمعيات حماية المستهلك التي نجحت في استصدار بعض القوانين التي تسائل المؤسسات الصناعية، وتناقش حق الحكومات في تنظيم استخدام الجينات في الزراعة والحد من آثار العولمة في هذا الإطار.
ولقد كان للمؤتمرات الدولية التي عقدت خلال عقد التسعينيات والتي سمحت بتنظيم منتديات الهيئات الأهلية، بالتوازي مع اجتماعات الدول، دور مهم في انتشار ظاهرة الشبكات على مختلف الأصعدة. ونظرا لارتباط ظاهرة الشبكات بمواجهة المضاعفات السلبية للعولمة فقد أطلق عليها البعض اسم "العولمة من القاعدة" مقابل " العولمة من القمة".
وثمة عوامل محددة لفاعلية الشبكات تتمثل في وضوح الهدف منها، وإيمان الأطراف بهذا الهدف وتحديد أدوارهم ومسئولياتهم بناء عليه، وتشاركهم مع من يخدمون الهدف نفسه في إطار شبكات أخرى أو كأفراد، هذا مع ضرورة توفير هيكل تنظيمي قوى وجهاز إداري وفني كفء. وفي المقابل فإن ثمة تحديات تواجه الشبكات في أدائها لعملها منها ما يتعلق عموما بفكرة الحذر من التعامل مع الآخر، ومنها سلطوية النظام السياسي (الداخليس) وأحادية النظام السياسي (الدولي)، وضعف الروابط وسبل الاتصال فيما بين الداخل والخارج، وفيما بين مختلف عناصر الداخل، هذا بخلاف احتمالات فقدان الشفافية والمحاسبية.

8- صدام الحضارات Clash of Civilizations
على الرغم من أن التفاعل الحضارى، صراعا وتعاونا، قديم قدم الحضارات الإنسانية ذاتها، إلا أن مقولة "صراع الحضارات" لم تطرح بالكثافة والشمول اللذين طرحت بهما إلا على اثر نشر صموئيل هانتنجتون دراسته التي حملت العنوان نفسه بمجلة شؤون خارجية في صيف ،993. وهي الدراسة التي عمل المؤلف بعد ذلك على بلورتها وتطويرها في كتاب ذائع الصيت. تنطلق هذه المقولة من الاعتقاد بأن هوية الحضارات ستغدو مهمة بشكل متزايد في المستقبل حيث سيتشكل العالم إلى حد بعيد بسبب التدافع بين سبع أو ثماني حضارات رئيسية (هي الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الكونفوشيوسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الهندوسية، والحضارة الأرثوذكسية، والحضارة السلافية، والحضارة اللاتينية-الأمريكية، وربما الحضارة الإفريقية)، وأن النزاعات الأكثر أهمية وخطورة في المستقبل ستنشب على امتداد خطوط الاختلاف الثقافية التي تفصل الحضارات عن بعضها البعض.
وينبه هانتنجتون إلى أن "نظريته" حول صراع الحضارات لا تعنى أن الهوية الحضارية ستحل محل كل الهويات الأخرى، أو أن الدول ستختفي بحيث تصبح كل حضارة وحدة سياسية واحدة، أو أن المجموعات الموجودة داخل كل حضارة لن تتنازع مع بعضها البعض ومع نفسها. لكن نظريته تصدر عن فرضية مفادها أن الفوارق بين الحضارات تعد فوارق موضوعية وحقيقية ومهمة، وأن الوعي الحضاري يتزايد، وأن الصراع بين الحضارات سيحل محل الصراعات الأخرى بما فيها تلك الأيديولوجية.
فإذا كان الصراع بعد اتفاقية وستفاليا قد اشتعل بين أمراء وأباطرة، ثم تطور بعد الثورة الفرنسية ليصبح بين دول، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وبفعل الثورة البلشفية والحركة المضادة لها اتخذ طابعا أيديولوجيا متناميا، فإنه بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتبشير فوكوياما بنهاية التاريخ تحول مع هانتنجتون إلى صراع ثقافي ودينى.
أما العوامل التي تعزز هذا الصراع وتعمل على تأجيجه فتتمثل حسب هانتنجتون في كون الاختلافات القائمة بين الحضارات تعد اختلافات حقيقية وأساسية، وأن التداخل المتزايد بين شعوب الحضارات المختلفة من شأنه أن يقوى "الوعي الحضاري" ولا يضعفه.
كما أنه في مواجهة مضاعفات عملية التحديث وما ينتج عنها من اغتراب الناس عن هوياتهم الأصلية، وإضعاف دور الدولة القومية كمصدر للهوية، ستنشط الحركات الأصولية عبر القومية، خصوصا أن الغرب لم يعد يشكل مصدر جاذبية، مما سيفضي للاستقواء بالذات والانكفاء عليها.
ولقد تعرضت أطروحة هانتنجتون لنقد شديد تمحور حول كونها تقدم الأساس النظرى للكره و التباغض بين أبناء الحضارات المختلفة، وإغفالها جوانب التفاعل غير الصراعية بين هذه الحضارات وهي الجوانب التي كانت على مدار التاريخ مصدرا لإثراء التراث الإنساني، وانحيازاتها الأيديولوجية الجلية، فضلا عن استشهادها بشواهد مصلحيه بحتة (العلاقات العسكرية الصينية-الإيرانية) للدلالة على التقارب بين الحضارات المختلفة (الحضارتان الكونفوشية والإسلامية في هذه الحالة) في تحميل للظواهر فوق ما تحتمل.
ولقد تعرضت أطروحة هانتنجتون لنقد شديد تمحور حول كونها تقدم الأساس النظرى للكره و التباغض بين أبناء الحضارات المختلفة، وإغفالها جوانب التفاعل غير الصراعية بين هذه الحضارات وهي الجوانب التي كانت على مدار التاريخ مصدرا لإثراء التراث الإنساني، وانحيازاتها الأيديولوجية الجلية، فضلا عن استشهادها بشواهد مصلحيه بحتة (العلاقات العسكرية الصينية-الإيرانية) للدلالة على التقارب بين الحضارات المختلفة (الحضارتان الكونفوشية والإسلامية في هذه الحالة) في تحميل للظواهر فوق ما تحتمل.

9- الطريق الثالث Third Way
تذهب الأدبيات إلى أن مفهوم الطريق الثالث هو أحد تعبيرات البابا بيوس الثاني عشر أواخر القرن التاسع عشر حينما دعا إلى طريق ثالث بين الاشتراكية والرأسمالية، ومنذ ذلك الحين شاعت مفاهيم شبيهة به أبرزها الطريق الوسط لهارولد ميلان.
غير أن مفهوم "الطرق الثالث" تم تسويقه على لسان توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، وكذا الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون الذي تحدث عن أنه وجد طريقاً ثالثاُ أكثر قدرة على الموازنة بين المصالح والفئات المختلفة.
وينسب فكر الطريق الثالث إلى انطوني جيدنز المفكر والمنظر الاجتماعي والسياسي لحزب العمال البريطاني، وهو الحزب المعروف باعتناقه الاشتراكية الديمقراطية التي بدأت جذورها في أواخر القرن التاسع عشر.وقد صعد نجم انطوني جيدنز واقترن اسمه بالطريق الثالث أو الاشتراكية الديمقراطية في ثوبها الجديد في مؤلفاته التي أبرزها " الطريق الثالث" وبعيداً عن" اليسار واليمين" والتي قدم من خلالها مشروعه الفكري بقوله: "حري بنا ألا نخلط مفهوم "الطريق الثالث" بالاستخدامات الأخرى، إذ تشير سياسة الطريق الثالث إلى إطار للتفكير وإلى صوغ سياسة هدفها ملاءمة الديمقراطية الاشتراكية وأيضا الخيرة، إنه الطريق الثالث، بمعنى أنه محاولة لتجاوز كل الأسلوب القديم للديمقراطية الاشتراكية وأيضا الليبرالية الجديدة، إنه استجابة جديدة براجماتية لما نواجهه من قضايا سياسية في عالم اليوم".
ويحدد السيد ياسين من خلال قراءاته المنهجية لفكر الطريق الثالث ثلاثة اتجاهات رئيسية في مجال التعريف بالمفهوم، وتلك هي:
1- الطريق الثالث يمكن أن يكون هو الطريق الوسط بين بديلين: البديل الأول هو أنساق للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي (سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية)، والبديل الثاني هو مبادئ لتخصيص الموارد (في السوق والدول) سواء من خلال النماذج الرأسمالية (كالنموذج الأمريكي في مواجهة النموذج الأوربي) أو طريق أيديولوجي وسط يقع بين اليسار القديم واليمين الجديد.
2- الطريق الثالث قد لا يكون سوى صيغة معدلة للاشتراكية الديمقراطية، والتي تقدم بديلاً واضحاً للمشروع الليبرالي الجديد الذي برز في الثمانينيات من القرن الماضي من خلال تطبيق مستحدث لمبادئ تلك الديمقراطية الاشتراكية بما يستجيب للظروف الراهنة.
3- الطريق الثالث قد يشير إلى تأليف جديد وغريب جامد للأفكار ينتمي بعضها إلي ما يسمى اليسار الراديكالي،وينزع بالتالي إلى الاعتراف بحدود انقطاع جديد في الاستمرارية السياسية، مما يجعل اليقينيات السياسية الجاهزة مسألة عفا عليها الزمن.

10- العولمة Globalization
تعنى هذه الكلمة من الناحية اللغوية إضفاء طابع العالمية على الشيء وجعل نطاقه عالميا، أي نقله من المحدود المراقب (الدولة القومية) إلى اللامحدود الذي يستعصى على المراقبة (الكون).
أما من الناحية الاصطلاحية فتشير الكلمة إلى ذلك التداخل المتنامي والكثيف في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الصعيد الكوني، وهو التداخل الذي أصبح من المستحيل ضبط تأثيراته والتحكم فيه بالإجراءات التقليدية؛ كإغلاق الحدود وقطع العلاقات الدبلوماسية.
وتشكل العولمة ظاهرة متعددة الأبعاد (الاقتصادية، والتكنولوجية، والسياسية، والثقافية، والأيديولوجية)، كونها تشمل التدفقات المادية وغير المادية، وشبكات للتفاعل، فضلا عن أنساق للتنظيم، وكلها تؤدى إلى اختصار المكان والزمان، بحيث ينعدم أثر المسافة والحجم أو يكاد، كما يختصر الزمان إلى أدنى حد ممكن، وذلك بفضل ثورة الاتصالات التي باتت تمثل روح عصر العولمة وعمودها الفقري. ولا يمكن فهم تلك الثورة إلا بإدراجها في إطار أشمل هو الثورة التكنولوجية والعلمية أو ما يسميه ألفن توفلر بـ "الموجة الثالثة" بوصفها نمطا حضاريا جديدا قوامه العلم والمعرفة. وعلى الرغم من أن الجذور التاريخية للمفهوم تمتد إلى أكثر من خمسة قرون ، ومع أن الاتجاه نحو دمج العالم في منظومة واحدة قديم قدم التوسعات الإمبراطورية، إلا أن المغزى المعاصر للعولمة يتمثل في أن المجتمعات البشرية أصبحت تشارك في نمط إنتاج واحد يتحقق على مستوى الكرة الأرضية، وتتلقى التأثيرات المادية والرمزية نفسها، سواء تعلق الأمر بالثقافة وما تبثه وسائل الإعلام الدولية، أو بالبيئة وما يصيبها من تلوث، أو بالأزمات الاقتصادية المتتالية، أو بالظواهر الاجتماعية والأخلاقية السلبية كالجريمة المنظمة وتهريب المخدرات وغسيل الأموال.
ويمكن القول تحديدا إن هناك أربعة عوامل مستجدة هي التي سمحت بالحديث عن العولمة كظاهرة جديدة، أولها تضخم نشاط الشركات متعدية الجنسية التي تحتل موقع القلب من العولمة الاقتصادية، وثانيها عجز دولة الرفاه الكنزية عن أداء مهامها وتزايد الدعوة إلى تحرير الاقتصاد وتقليل دور الدولة من طرف الليبراليين الجدد، وثالثها الثورة التكنولوجية الهائلة في مجال الاتصال والمعلومات ، ورابعها قيام العولمة على إطار مؤسسي تملك الولايات المتحدة بالدرجة الأولى والدول الصناعية الكبرى بالدرجة الثانية السيطرة المباشرة عليه. وهذا الإطار يتكون من نظام استثماري عالمي بإدارة الصندوق والبنك الدوليين، فضلا عن نظام تجارى عالمي بإدارة منظمة التجارة العالمية.
وثمة نزوع واسع للمضاهاة بين العولمة و"الأمركة"، وهو مع صحته نسبيا إلا أن التناول العلمي الموضوعي لظاهرة العولمة يقتضي التمييز المنهجي الدقيق بين مستويين أساسيين:
* مستوى العملية ذات التطور التاريخي متعدد الأبعاد على ما سبق بيانه، مع التسليم بتفاوت تلك الأبعاد من دولة لأخرى تبعا لمجموعة متعددة من العوامل ترتبط بدرجة تطورها السياسي والاقتصادي.
* مستوى أيديولوجي يتمثل في محاولة توظيف تلك الأبعاد توظيفا مقنعاً للترويج للأيدلوجية الليبرالية الرأسمالية.

11- الإقليمية الجديدة New Regionalism
تشير الإقليمية إلى مدرسة نشأت في مواجهة العالمية التي دعت إلى نظام دولي جديد عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية من شأنـه أن يحفظ السلم والاستقرار.
وعادة ما يجرى طرح مفهوم "الإقليمية الجديدة" كتطوير "للإقليمية القديمة" التي تعكس في أسلوب تحقيقها الظروف الاقتصادية والسياسية التي سادت حتى نهاية عقد الثمانينات، حيث تمثل هدفها في الانسحاب من السوق الدولية بغرض إنجاز التنمية والتكامل من خلال التخطيط المركزى وسياسة إزالة الحواجز الجمركية مع إعطاء معاملة تفضيلية للدول النامية بهذا الصدد. أما "الإقليمية الجديدة" التي أنتجتها شروط العولمة الاقتصادية مع مطلع التسعينيات فتسعى إلى تحرير قوى السوق عبر تفعيل القطاع الخاص، وتحقيق الاندماج في الاقتصاد العالمي من خلال زيادة الاعتماد على التصدير الموجه نحو الخارج، كما تسعى إلى تعزيز درجة التكامل من خلال إزالة الحواجز أمام تدفق الاستثمارات والخدمات وفقا لتشريعات وقواعد موحدة.
هذا ولقد أدت عوامل متعددة إلى بروز ظاهرة الإقليمية الجديدة أهمها انهيار نظام "بريتون وودز" لأسعار الصرف الثابتة، وتراجع الوزن النسبى للقوى التجارية الكبرى في العالم وذلك بصعود قوى تجارية جديدة (دول جنوب شرق آسيا)، إلى جانب تآكل قواعد النظام التجاري العالمي، وانهيار الاشتراكية كنظام وكنموذج اقتصادي واجتماعي وسياسي، وحدوث تباين كبير بين دول الجنوب فيما يخص الاهتمامات والمصالح والأهداف، فضلا عن التوسع المتزايد في عدد الشركات متعددة الجنسيات وكذلك في نشاطها.
وقد أخذت الإقليمية الجديدة شكلين أساسين:
* شكل تكتلات تجارية ترتكز على فرضية تسهيل العلاقات التجارية بين الدول الأعضاء بدءا بالمناطق التجارية الحرة.
* تكتلات صناعية تقوم على أساس التخصص وتقسيم العمل في صناعة واحدة أو مجموعة من الصناعات بين مجموعة من الدول.
وكما أن للإقليمية الجديدة إيجابيات فإن لها كذلك سلبيات، ومن أهم إيجابياتها: مساهمتها في تحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي ومن ثم تعزيزها للأمن والسلام وذلك بفضل الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وإسهامها في توسيع نطاق الأسواق وفي خلق اقتصادات ضخمة، وتحقيق المزيد من التقدم التكنولوجي والاقتصادي، كما أن المفاوضات الإقليمية تعزز المفاوضات العالمية وتتلافي احتمالات نشوب النزاعات التجارية، هذا إلى جانب أنها (أي المفاوضات الإقليمية) تعد أكثر كفاءة وفاعلية وإجرائية في مناقشة قضايا ذات صبغة إقليمية محضة بدلا من طرحها على مائدة التفاوض الدولي.
أما أبرز سلبياتها فتتمثل في أن التكتلات الإقليمية الكبرى (كالاتحاد الأوروبي بصدارته الفرنسية-الألمانية، والنافتا بزعامة أمريكا، والتكتل التجاري لجنوب شرق آسيا أو الباسيفسكى بقيادة اليابان ..) تمارس تأثيرا تمييزيا واستبعادياً لغير شركائها، وهو ما قد يؤدى إلى تأجيج عوامل الاحتكاك والصراع بينها وبين غيرها من الدول والكتل الأخرى، وما يترتب على ذلك من إخلال بالسلام والاستقرار الدوليين، إلى جانب تكريس تهميش الدول الخارجة عن إطار هذه التكتلات وبالأساس دول الجنوب، خاصة أن الإقليمية الجديدة لم تنجح حتى الآن في إبداع إطار فكرى أو عملي يتعلق بكيفية الربط بين مختلف التكتلات الاقتصادية ضمن منظومة عالمية واحدة.
في هذا الإطار تثار ضرورة جعل هذه التكتلات الاقتصاديـة مفتوحة العضوية، ووجوب أخذها بقاعدة "الدولة الأولى بالرعاية"، وكذا تعديل المادة 24 من اتفاقية "الجات" التي تحدد قواعد تشكيل التكتلات الاقتصادية والإقليمية، وتحديدا ضرورة وجود تعريفات جمركية مشتركة بين الدول الأعضاء، وإشراك المؤسسات الاقتصادية الدولية في مناقشة سياسات هذه التكتلات الاقتصادية الإقليمية وبحث سبل التنسيق فيما بينها، والتقييم المستمر لأدائها من طرف القمة الدورية لمجموعة الدول الصناعية الكبرى، لضمان تحقيق التقدم في مسار تحرير التجارة العالمية.

12- المواطنة Citizenship
يشير مفهوم المواطنة إلى الانتماء إلى دولة بذاتها كبديل عن الانتماء التقليدي للقبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو الملة، ويرتب مجموعة من الحقوق والواجبات على من يتمتع بهذه الصفة. ولقد مر المفهوم بتطورات عميقة على مدار التاريخ، واكتسب شكله الحديث على أثر اندلاع الثورة الفرنسية والإعلان عن بيان حقوق الإنسان و المواطن، وانتشر في أعقاب الحركات القومية الأوروبية.
ولقد شهدت عناصر هذا المفهوم اتساعا متناميا بعد الحرب العالمية الثانية وصدور القوانين الاجتماعية الكفيلة بتحقيق المساواة بين الأفراد، وتبلورت من وجهة نظر الباحثين في أربعة مقومات رئيسية، المقوم الأول هو المقوم السياسي الذي يتمتع بمقتضاه المواطن بجملة حقوق أبرزها حقه الحصرى في ممارسة الانتخاب والترشيح وشغل وظائف السيادة وتمثيل بلده في الخارج. المقوم الثاني هو المقوم الاقتصادي وأهم مظاهره التمتع دون قيود بحقه في الملكية. المقوم الثالث هو المقوم الاجتماعي مثل حقه في الصحة و التعليم. أما المقوم الرابع والأخير فهو المقوم الثقافي الذي عبرت عنه الاتجاهات الحديثة التي جعلت المواطنة الجديدة تجسيدا لحياة جماعية تصفها مجموعة متآلفة من الأفراد يقوم بينهم رابط أنساني قانوني سياسي أو ثقافي.

وثمة جدل مثار حول المشاعر القومية ودورها في إكساب أصحابها حقوق المواطنة، نظرا لأن المعدات السياسية يتم تقسيمها على اساس واقعى وليس على أساس الانتماء إلى أمة معينة بالضرورة. وتزداد حدة مثل هذا الجدل على صعيد المنطقة العربية. ولذا كانت الإشكالية المتصلة بالعلاقة بين القطرى والقومى لصدى الإشكاليات التقليدية التى واجهت مفهوم المواطنة. فإن ثمه إشكاليات اخرى فرضت نفسها بحكم التطورات التى نشهدها منذ عقدين من الزمان بتأثير العولمة والاتجاه نحو تكوين التكتلات الإقليمية التى يتمتع اطرافها بحقوق المواطنة على المستويين الوطنى والإقليمى.

ثانيا: المفاهيم الجديدة والمتجددة

13- البـرلمـان: Parliament
يعتبر البرلمان هو الهيئة النيابية، وهي التسمية المستقاة من كونه يتشكل ممن ينيبهم المواطنون عن أنفسهم في رعاية مصالحهم من خلال آلية من الآليات الانتخابية المتعارف عليها. ولهذا المفهوم مسميات مختلفة من دولة لأخرى، من قبيلها مجلس الشعب، والمجلس الوطني، ومجلس الأمة، ومجلس النواب. كما قد يتشكل من غرفة واحدة أو من غرفتين، والأصل فيه أن يكون أعضاؤه بالانتخاب إلا أنه في بعض الأحيان يجمع بين هذا الأسلوب وأسلوب التعيين على أساس ضمان وصول كفاءات معينة وتمثيل شرائح قد لا تنتخب بسبب عدم ترسخ الوعي الديمقراطي، إلى صفوف البرلمان. ويعد التشريع الوظيفة الأولى للبرلمان، حيث تقوم البرلمانات بالدور الأساسي في إصدار القوانين، يعاونها في ذلك رئيس الدولة بدرجـات تتفاوت طبقاً للأسس أساس واقعي وليس على أساس الانتماء إلى أمة معينة بالضرورة. وتزداد حدة مثل هذا الجدل على صعيد المنطقة العربية. ولذا كانت الإشكالية المتصلة بالعلاقة بين القطري والقومي لصدى الإشكاليات التقليدية التي واجهت مفهوم المواطنة. فإن ثمة إشكاليات أخرى فرضت نفسها بحكم التطورات التي نشهدها منذ عقدين من الزمان بتأثير العولمة والاتجاه نحو تكوين التكتلات الإقليمية التي يتمتع أطرافها بحقوق المواطنة على المستويين الوطني والإقليمي.
التي يقوم عليها النظام السياسي، حيث يمر التشريع بعدة مراحل هي الاقتراح، والتصويت في البرلمان، ثم المصادقة عليه وإصداره من جانب رئيس الدولة، وربما يخضع للاستفتاء الشعبي المباشر في حالات معينة. أما الوظيفة الرقابية للبرلمان فهي تعنى مراقبة نشاط الحكومة، وسلطة الرقابة هذه تحددها الدساتير وغيرها من التشريعات المنظمة لأعمال البرلمان.
ويعد البرلمان على هذا النحو تجسيداً لنص المادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن "لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشئون العامة لبلاده إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختياراً حراً".
أما المجالس الولائية أو البلدية فهي وحدات أساسية للإدارة المحلية، وهي عادة ما تتولى إنشاء جميع المرافق العامة الواقعة في دوائرها وإدارتها وذلك في ضوء الالتزام بالسياسة العامة للدولة.
كما تتولى الوحدات المحلية في نطاقها مباشرة جميع الاختصاصات التي تتولاها الوزارات بمقتضى القوانين واللوائح المعمول بها.
وتتعدد مستويات هذه الوحدات المحلية وتختلف من دولة عربية إلى أخرى ما بين بلديات وولايات ومحليات وأقاليم، ويبين القانون طريقة تشكيل المجالس المحلية واختصاصاتها ومواردها المالية، والضمانات التي يتمتع بها أعضاؤها، وعلاقتها بمؤسسات الدولة الأخرى، وكذا دورها في تنفيذ الخطة العامة للتنمية وفي الرقابة على أوجه النشاط المختلفة. ومؤدى هذا أن لتلك المجالس اختصاصات تشريعية تتصل بوضع قواعد التعامل مع الجمهور وفرض الرسوم المحلية، كما أن لها صلاحيات تنفيذ برامجها التنموية وتقويم مستوى إنجازها.

14- التنمية البشرية: Human Development
يعد مفهوم التنمية البشرية مفهوماً قديماً قدم الفكر الإنساني حيث نجد له أصولاً في الفكر اليوناني مع أرسطو، وفي الفكر العربي الإسلامي مع ابن خلدون، وفي الفكر الغربي مع وليام بيتي وفرانسوا كويسنس. وقد استلهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا المفهوم وجعله عنواناً لتقريره السنوي الذي أصدره للمرة الأولى عام 1990 وركز فيه على مجموعة من المؤشرات يرتبط توافرها وجوداً وعدماً بتحقق التنمية أو عدم تحققها، وتلك المؤشرات هي:
1- مؤشر العمر المتوقع عند الولادة.
2- نسبة السكان الملمين بالقراءة والكتابة.
3- نصيب الفرد من إجمالي الناتج القومي (معدلا حسب القيمة الشرائية).
وعلـى الرغـم من الأهميـة الإجرائية لهذا المقياس، إلا أنه تعرض لجملة من الانتقادات أهمها:
1- إن المؤشرات التي يقوم عليها ليست سوى متوسطات حسابية.
2- هذا المقياس جزئي لا يشتمل سوى على ثلاثة من عناصر التنمية البشرية.
3- إن مفهوم المعرفة أشمل بكثير من مجرد الإلمام بالقراءة والكتابة حيث يعنى اكتساب مختلف المهارات التي تنمى قدرات الأفراد.
4- إن مؤشر العمر المتوقع عند الميلاد الذي يستخدم لقياس عنصر الحياة الطويلة الخالية من العلل تنقصه دقة التعبير عن هذا العنصر حيث لا يبين مدى سلامة الصحة النفسية للفرد.
5- إن نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي لا يعبر سوى عن مستوى معيشة الأفراد في مجتمع معين لأن هناك جوانب أخرى مهمة كنسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر، فضلاً عـن أنه لا يبين التفاوت في توزيـع الدخل.
وفي محاولة لتجاوز بعض هذه الانتقادات، تضمن تقرير التنمية البشرية لسنة 1992 بالإضافة إلى المؤشرات السابقة مقياس الحرية السياسية، استناداً إلى أن الحرية السياسية من أهم عناصر التنمية البشرية.

التنمية الإنسانية
في إطار الجهود المستمرة لتطوير مفهوم التنمية البشرية، استحدثت مجموعة من المثقفين العرب مفهوم التنمية الإنسانية كبديل له، وجعلت من المفهوم الجديد عنواناً لأول تقرير عن التنمية الإنسانية في نطاق الوطن العربي، تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إصداره في عام 2002. وقام منطق إحلال "الإنساني" محل "البشرى" في عنوان التقرير على أساس أن التنمية تتجاوز في جوهرها الأبعاد المادية إلى الأبعاد المعنوية التي تشمل بين ما تشمل البعد الخاص بإدارة شئون الدولة والمجتمع، أو ما أطلق عليه التقرير الحكم الجيد، ووضع المرأة في المجتمع ومدى تمتعها بحقوقها داخله. ومن هنا عرف التقرير التنمية الإنسانية بكونها "تشير ببساطة إلى عملية توسيع الخيارات الاجتماعية والسياسية والثقافية"، وأنها "تنمية الناس من أجل الناس ومن قبل الناس". واستطرد موضحاً أن تنمية الناس تشمل بناء القدرات الإنسانية عن طريق تنمية الموارد البشرية، أما التنمية من أجل الناس فتعنى أن عائد النمو يجب أن ينعكس على حياة الناس، في حين أن التنمية من قبل الناس تفيد تمكينهم من المشاركة بفاعلية في التأثير على التطورات التي تشكل جوهر حياتهم.
كما اعتبر التقرير أن التنمية الإنسانية عملية ومحصلة في الوقت ذاته؛ فهي تهتم بالعملية التي يتم من خلالها توسيع الخيارات كما تركز على النتائج التي تم تعزيزها.
وفيما يتصل بالعلاقة بين التنمية الإنسانية وحقوق الإنسان، اعتبر التقرير أن بين الطرفين علاقة جدلية وثيقـة، فكلاهما يدعم الآخر. كما اعتبر أن الحرية تشكل الضامن والهدف للتنمية الإنسانية ولحقوق الإنسان على حد سواء.
وقد أشار التقرير إلى أن التنمية الإنسانية أعم من أي مؤشر من مؤشراته، ونوه إلى أن كل المعلومات الكمية عن التنمية الإنسانية ومختلف المؤشرات التي تؤلفها تكون ما يسمى "النظام المحاسبي للتنمية الإنسانية"، وأنه حينما يركز مقياس التنمية البشرية بمؤشراته التي سبق تناولها على ما هو مادي بالأساس فإنه إنما يمثل البعد المحدود للنظام المحاسبي، بينما تمثل كل البيانات والمعلومات عن مختلف مؤشرات التنمية الإنسانية البعد الواسع لهذا النظام. ولذلك يعتبر التقرير أن مقياس التنمية البشرية لا يستطيع تقديم صورة كاملة للتنمية الإنسانية، ولابد من استكماله بمؤشرات أخرى مفيدة للحصول على رؤية شاملة، وهذه المؤشرات هي:
1- الحرية.
2- تمكين المرأة.
3- الاتصال بشبكة الإنترنت.
4- نظافة البيئة.
فضلاً عن المؤشرات التقليدية:
1- مؤشر العمر المتوقع عند الميلاد.
2- مؤشر التعليم.
وقد تعرض مفهوم التنمية الإنسانية كما عرضه التقرير لمجموعة من الانتقادات أهمها:
- أن التمييز بين ما هو بشرى وما هو إنساني تمييز تعسفي ولا سند له في الترجمة اللاتينية، فكلا المفهومين العربيين يترجم إلى human في اللاتينية.
- أن تعريف التنمية الإنسانية بعملية توسيع الخيارات تعريف سبق للتقارير السابقة أن اعتمدته منذ سنة 1991.
- أن استبعاد مؤشر الدخل لا مبرر له، فعدم كفايته لا يستدعى إلغاءه وإنما إضافة مؤشرات إلى جانبه، ولا يمكن بأي حال التعرف على مستوى معيشة الفرد سوى عن طريق قياس دخله.
- أن الاتصال بشبكة الإنترنت الذي أولاه التقرير عناية فائقة، ليس المصدر الوحيد للمعرفة، فضلاً عن أن استعمال هذه الشبكة لا يتم دائماً بدافع معرفي.

التنمية المستدامة والمتواصلة
يعتبر صدور كتاب "مستقبلنا المشترك" سنة 1987، كجزء من التقرير النهائي للجنة العالمية للبيئة والتنمية بمثابة الولادة الحقيقية لمفهوم التنمية المستدامة، حيث ورد فيه أن التنمية المستدامة تعد قضية أخلاقية وإنسانية بقدر ما هي قضية تنموية وبيئية.
وقد جاءت "قمة الأرض" بريو دى جانيرو سنة 1992 لتلقى الضوء مرة ثانية على علاقة البيئة بالتنمية وضمان استقرارها واستمرارها، ذلك أن مفهوم التنمية المستدامة يقوم على ضرورة تواصل الرخاء الاقتصادي.
في هذا الإطار طور كل من كوب وهارمن دالى دليلاً يسمى "دليل الرخاء الاقتصادي المتواصل" بناء على المؤشرات التالية: توزيع الثروة، ووضع البيئة، إلى جانب متوسط الاستهلاك، وأدخلا في دليلهما بمقتضى ذلك ما يسمى بعامل "الدمار البيئي طويل الأجل"، وهو عامل يحاول أن يأخذ بعين الاعتبار ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوى وتآكل طبقة الأوزون. وعلى الرغم من أهمية هذا الدليل ووجاهة المؤشرات التي اعتمدها، إلا أنه تعرض لانتقاد أساسي مفاده أن تطبيقه يتطلب معلومات لا يمكن الحصول عليها في الدول الصناعية المتقدمة.
عموماً فإن مفهوم التنمية المستدامة يقوم على الاعتبارات الأساسية التالية:
1- العمل على الحد من استنزاف الموارد الطبيعية.
2- العمل على الحد من تأثير المخلفات من جراء التلوث الناتج عنها بكل أنواعه.
3- الاجتهاد في تمديد الأفق الزمني المألوف في دائرة العمل الصناعي والاجتماعي، لأن دورة الحياة الأيكولوجية أطول من دورة الحياة الإنسانية، وهو ما يحتم ضرورة الحرص على استمرار النظام البيئي بشكل متوازن من شأنه الحيلولة دون استنزاف الموارد المتاحة للأجيال المقبلة. ومفهوم التنمية المستدامة بهذا المعنى مفهوم مستقبلي متكامل يجعل من تنمية العنصر البشرى أول أهدافه، ويعمل على الحفاظ على رأس المال البشرى والقيم الاجتماعية والاستقرار النفسي سواء للفرد أو للمجتمع، ويحرص على تأكيد الحق في الحرية والديمقراطية والمساواة والعدل.
غير أن هناك من يرى أن التنمية المستدامة تبدو مستحيلة في ظل الاتجاهات الحالية للنمو السكاني العالمي، وما يترتب عليها من زيادة الطلب على الغذاء والطاقة وسائر متطلبات الحياة، الأمر الذي يحدو إلى الاقتناع بتحقيق نمو أنساني عالمي ثابت.

التنمية المستقلة
التنمية المستقلة تعتمد على مدى قدرة بلد من البلدان على اتخاذ قرارات مستقلة في مجال التصرف في موارده وصوغ السياسات الاقتصادية على ضوء ذلك.
وعادة ما تتحدد هذه القدرة بعاملين رئيسيين هما:
- الإمكانات البشرية والطبيعية والمادية والتقنية المتوفرة لديه.
- نوعية السياسات المتبعة ومدى فعاليتها في الوصول إلى النتائج المستهدفة منها.
وتنقسم المؤشرات الكفيلة بالحكم على التجارب التنموية إلى ثلاث مجموعات رئيسية هي:
1- مؤشرات الإمكانية : وتشمل الموقع الجغرافي، وحجم السكان ومبلغ تجانسهم، ومدى وفرة الموارد الطبيعية وتنوعها.
2- مؤشرات التأهيل: وتشمل التغيرات في هيكل الإنتاج ونمط الاستهلاك، واتجاهات نمو السكان والقوى العاملة، والتطور في نوعية الحياة، ومدى العدالة في توزيع الثروة، ومستوى التقنية والبحث العلمي.
3- مؤشرات الاستقلال: وتضم مؤشرات الفجوة الداخلية والخارجية (مؤشر الانكشاف التجاري، ومؤشر نسبة الصادرات إلى الواردات)، ومؤشر الدين الخارجي، ومؤشر الأمن الغذائي، ومؤشر التبعية الصناعية (مؤشر الاعتماد على المشاريع الجاهزة ورأس المال الأجنبي)، ومؤشر العلاقة الخارجية (مع المنظمات الدولية ومع البلدان النامية) فضلاً عن مؤشري الأمن القومي والاستقلال الثقافي والفكري على الرغم من صعوبة قياسهما.
أما عناصر استراتيجية التنمية المستقلة فتتمثل في:
- قطع العلاقات التي تعمق تبعية البلدان النامية.
- الاستغلال الأمثل للموارد المحلية وإعادة توجيهها نحو القطاعات الإنتاجية التي تلبى احتياجات السكان الأساسية.
- التكامل بين القطاعين الإنتاجيين الرئيسيين: الزراعة والصناعة.
- وضع السياسات الخاصة بتفادي الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني.
- زيادة فعالية المشاركة الجماهيرية في عملية التنمية على جميع المستويات كضرورة جوهرية، وكواحدة من الاحتياجات الأساسية للأفراد في الوقت نفسه للقضاء على الفقر والتخلف بأسرع وقت ممكن.
- إلى جانب تعزيز التعاون مع الدول النامية التي تشترك في أهدافها العامة، وهنا تتحول هذه الاستراتيجية إلى الاعتماد الجماعي على الذات الذي يساعد على توسيع الإنتاج الاقتصادي للبلدان الصغيرة، ويسهل تذليل العديد من العقبات التي تقف في وجه الاعتماد على الذات بشكل منفرد كخطوة على طريق سياسة الاعتماد الجماعي على الذات.

التنمية الاقتصادية
قبل ظهور مفهوم التنمية الاقتصادية كان الحديث يجرى عن مفهوم النمو الاقتصادي، فعلى الرغم من التطور الذي شهدته الدول المتقدمة منذ الثورة الصناعية وانعكاساتها على أوروبا ثم على كل من روسيا واليابان وأمريكا، إلا أن هذه الثورة الصناعية نفسها تبلورت بفعل جهود فردية تلقائية دون تخطيط مسبق، ولذا عرف هذا التطور بالنمو الاقتصادي وليس بالتنمية الاقتصادية، فالأخيرة تعتمد في جوهرها على توافر ثلاثة عناصر أساسية هي:
- تغيير يكون من شأنه تحقيق زيادة في الدخل الفردي الحقيقي عبر فترة ممتدة من الزمن.
- التغلب على عوامل المقاومة الداخلية للتطور التي يموج بها الاقتصاد المتخلف.
- استراتيجية ملائمة يتسنى بمقتضاها توفير أسباب المقاومة لتحقيق التغيير البنائي المنشود.
ويعود تبلور مفهوم التنمية بشكل واضح ودقيق إلى خمسينيات القرن العشرين بعد أن حصلت معظم الدول المستعمرة على استقلالها، ودخلت في مرحلة البناء الوطني الشاملة وسعت منذ ذلك الحين إلى تحقيق تنميتها الاقتصادية. غير أن استراتيجيات التنمية التي اتبعتها معظم هذه الدول لم تول الاهتمام اللازم للجوانب المتصلة بالعنصر البشرى، اعتقاداً أن مجرد رفع معدل النمو الاقتصادي سيؤدى بشكل تلقائي إلى تحسين مستوى معيشة الأفراد بها. والنتيجة أنه بعد حوالي عقدين من تطبيق هذه الاستراتيجيات واجهت الدول النامية بما فيها تلك التي حققت معدلات نمو مرتفعة مشكلات زيادة نسبة الفقراء، وسوء توزيع الخل، وتدهور مستوى معيشة الغالبية العظمى من السكان. وهكذا ظهرت الحاجة إلى استراتيجيات بديلة للتنمية وهو ما تبنته بعض الهيئات الدولية من خلال إعادة الاعتبار للعنصر البشرى. وفي هذا الإطار تبنت منظمة العمل الدولية استراتيجية الحاجات الأساسية، كما تبنى البنك الدولي استراتيجية النمو مع إعادة توزيع الدخل.
وعلى أثر ذلك زاد الاهتمام خلال التسعينيات برفع مستوى معيشة الأفراد وضرورة شمولية استراتيجيات التنمية للجوانب الاجتماعية إضافة إلى الجوانب الاقتصادية، انطلاقاً من أن المكون الديموغرافي يمثل أداة تحقيق التنمية فضلاً عن كونه يعد هدفها الرئيسي.

15- الجندر: Gender
تشير الأدبيات إلى أن مصطلح جندر "النوع الاجتماعي" استخدم لأول مرة من قبل "آن أوكلى" وزملائها من الكتاب في سبعينيات القرن الماضي، وذلك لوصف خصائص الرجال والنساء المحددة اجتماعياً في مقابل تلك الخصائص المحددة بيولوجياً.
غير أن البعض يرجح أن استخدام المصطلح وانتشاره في الأدبيات العالمية كان خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي اتسمت بمناقشات مكثفة حول أثر سياسات التكيف الهيكلي على أوضاع المرأة.
وكاتجاه عام فإن المصطلح يشير إلى التفرقة بين الذكر والأنثى على أساس الدور الاجتماعي لكل منهما تأثراً بالقيم السائدة. وفي هذا السياق، تتطلب عملية استجلاء مفهوم الجندر أو "النوع الاجتماعي" التمييز بينه وبين مفهوم الجنس أو "النوع البيولوجي"، فبينما يقتصر مصطلح الجنس Sex على الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة ويتسم بالتالي بالجبرية والاستاتيكية كون الفروق الجسدية بين الرجل والمرأة فروق ثابتة وأبدية، نجد أن مصطلح الجندر مفهوم دينامي حيث تتفاوت الأدوار التي يلعبها الرجال والنساء تفاوتاً كبيراً بين ثقافة وأخرى ومن جماعة اجتماعية إلى أخرى في إطار الثقافة نفسها، فالعرق، والطبقة الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والعمر، عوامل تؤثر على ما يعتبر مناسباً للنساء من أعمال. ولذا فإن طرح مفهوم الجندر كبديل لمفهوم الجنس يهدف إلى التأكيد على أن جميع ما يفعله الرجـال والنسـاء وكل ما هو متوقع منـهم، فيمـا عـدا وظائفهم الجسدية المتمايـزة جنسيـاً، يمكن أن يتغير بمرور الزمن وتبعاً للعوامل الاجتماعية والثقافية المتنوعة.
وفيما يرى أنصار مفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي أنه يعبر عن اجتياز آخر الحواجز على طريق تحقيق العدالة بين الرجال والنساء لأنه يشمل التحول في المواقف والممارسات في كافة المجتمعات، نجد مقابل ذلك العديد من الانتقادات للمفهوم واستخدامه، وهي تلك الانتقادات التي يمكن إجمالها في التالي:
* يركـز مفهـوم الجنـدر علـى الأدوار الاجتماعية التي هي جزء من النظرية الوظيفية البنائية. وبينما تستبعد هذه النظرية مفاهيم القوة والصراع في تفسيرها للظواهر، يرجع إطار النوع الاجتماعي قضية المرأة إلى الاختلال في ميزان القوة والنفوذ بين الجنسين، وينادى بإعادة توزيع القوة بينهما من خلال مراجعة توزيع الأدوار والفرص.
* ينطوي مفهوم الجندر على بعض الاتجاهات المتطرفة التي تتعامل أحياناً مع علاقة الرجل بالمرأة على أنها علاقة صفرية، وتدعو بين ما تدعو إلى إقامة مجتمع من النساء على أساس أنه المجتمع الوحيد الذي تتحقق فيه المساواة المطلقة بين أفراده، ومثل تلك الاتجاهات تتكفل بإثارة الحفيظة تجاهها حتى بين أنصار قضية المرأة أنفسهم.
* يستخدم إطار النوع الاجتماعي الفجوة بين أوضاع الرجل والمرأة أساساً لقياس نهوض المرأة في حين أن مساواتها مع الرجل في كثير من المجالات لا يعنى بالضرورة نهوضها، إذ أن تساوى نسبة تمثيل الجنسين في المجالس النيابية على سبيل المثال قد لا يؤدى إلى اتخاذ القرارات المناسبة لتمكين المرأة إذا كان هناك ضعف في وعى النائبات البرلمانيات بقضايا المرأة.

النسوية
تمثل النسوية حركة مضادة للرؤى التي أدت إلى تدنى منزلة المرأة في الفكرين الفلسفي والديني في المجتمع الليبرالي الرأسمالي في القرن التاسع عشر، نتيجة تردى أوضاع النساء في ظل الثورة الصناعية وما بعدها وتهميش دور المرأة الاجتماعي والسياسي. فلئن كانت هناك كتابات عديدة قد طرحت قضايا المرأة وطالبت بالتغيير منذ القرن السابع عشر، إلا أن القرن التاسع عشر مثل ذروة هذه المطالبة وتبلورها في شكل أهداف محددة تدعمها حركة اجتماعية قوية.
على صعيد آخر فإن البعض يستخدم مصطلحي "حركة تحرير المرأة" Woman's Liberation Movement و"النسوية" Feminism كمترادفين، إلا أن حركة تحرير المرأة كحركة اجتماعية ترى أن المرأة جزء من المجتمع وتسعى للدفاع عن حقوقها داخل المجتمع، بينما تدرج النسوية المرأة خارج السياق الاجتماعي كأنها كائن قائم بذاته متمركز حول نفسه منفصل عن الرجل وفي حالة صراع مستمر معه، لذا يحبذ البعض ترجمة النسوية، إلى "التمركز حول الأنثى" كتيار يسعى لتغيير الصفة الإنسانية والطبيعة البشرية ومسار التاريخ بحيث يتم خلط الأدوار تماماً.
وتتحدد الأبعاد النظرية للنموذج المعرفي لـ "النسوية" كما عكستها الكتابات ذات الصلة في العديد من الأبعاد، وأهمها:
1- انتقاد جزئية معالجة القضايا والتأكيد على أهمية النظرية الكلية الشاملة للظواهر.
2- إبراز أهمية خبرة المرأة كمصدر للمعرفة بعدما ظلت لفترة طويلة تمثل انعكاساً لخبرة الرجل ووجهة نظره.
3- رفض الثنائيات الحاكمة في الفكر الغربي، خاصة ثنائية العام والخاص، ونقد تقسيم العمل على أساس الجنس.
4- تقديم مفاهيم جديدة في العلوم الاجتماعية لدراسة الواقع الاجتماعي والسياسي مثل مفهوم "النوع الاجتماعي" الذي يتميز بأنه مفهوم ثقافي نسبى في مقابل مفهوم "الجنس" الذي يتميز بأنه بيولوجي حتمي.

16- الحداثة: Modernity
تتعدد معاني كلمة الحداثة بحسب سياقاتها فقد تنحصر في دلالاتها الزمانية لتعنى المعاصرة. وقد تعنى التغير والتطور وإعادة النظر بشكل دائم في الأفكار وأشكال التنظيم الاجتماعي. كما قد تعنى عندما تتصل بالمجتمع ما تعنيه كلمة إصلاح. وفي ميدان الأدب والفن تكاد تطابق معاني الإبداع والابتكار. أما في الاستعمال اليومي الشائع فهي لا تتجاوز معنى الجدة الشكلية بغض النظر عن مضمونها ومردودها.
والملاحظ أن الحداثة قد ارتبطت نشوءاً ورسوخاً بتكوين طبقة اجتماعية جديدة هي البرجوازية ونشر أفكارها وقيمها وطموحاتها ومعاييرها، إذ لم يكن من المتصور أن توجد البرجوازية الأوروبية دون تثوير دائم لأدوات الإنتاج وعلاقاته وبالتالي العلاقات الاجتماعية بكل تجلياتها، حيث ارتبط مفهوم المجتمع الحديث بالمرحلة الرأسمالية وما رافقها من تحولات اجتماعية عميقة انتهت في شقها السياسي إلى اعتماد النظام الديمقراطي والتمثيل الشعبي.
فإذا كان تحديث المجتمع يعبر عن سيرورة تاريخية لا تتوقف، فإن الحداثة هي الفكر النظري أو المقولات العلمية والفلسفية التي تحكم ديناميات التحديث وتدفعها باتجاه الحفاظ على الذات. فهي بهذا المعنى "تجربة وعملية نشطة لتغيير شروط الإنتاج النظري والمادي وتحسين ظروف حماية الذات وازدهارها وتطويرها". ومع ذلك فهي ليست بمثابة تجديد مضمون سلفاً أو محسوم، ولكنها معركة ذاتية تخوضها الشعوب والثقافات حتى تستطيع أن تتحول من مستهلك للحضارة إلى منتج لها.
إن مفهوم الحداثة، انسجامـاً مع هذا التطور، ينطوي على عمليات معقدة عديدة ومتداخلة، تطال مختلف مستويات الوجود الإنساني بما فيها المستويات التقنية والاقتصادية والسياسية إلى جانب المستويات الإدارية والاجتماعية والثقافية والفلسفية والفنية، وتبعاً لذلك لا يمكن فهمها كظاهرة تاريخية شاملة إلا بدراستها دراسة استقصائية دون إهمال أي جانب من جوانبها.
وثمة تعارض قائم بين الحداثة والتحديث، فالمفهوم الأول يتخذ شكل بنية فكرية جامعة للخصائص المشتركة بين المستويات سالفة الذكر من خلال منظور أقرب ما يكون إلى المنظور البنيوي، بينما يكتسب مفهوم التحديث مدلولاً جدلياً وتاريخياً يشير إلى الخصائص المشتركة وكذلك إلى التفاعل بين مستويات الوجود الإنساني.
وتتمثل الخصائص الكبرى للحداثة كما عكستها التجربة الغربية وحددها لوى ديمون في الآتي:التركيز علي الفرد في مقابل الجماعة، وأولوية العلاقات مع الأشياء مقابل أولوية العلاقات الإنسانية، والتمييز الصارم بين الذات والموضوع، وفصل القيم عن الوقائع والأفكار، فضلاً عن تقسيم المعرفة إلى مستويات وفروع مستقلة متناظرة ومتجانسة، وبروز الذاتية والرغبة في السيطرة عبر المعرفة، وذلك من منطلق أن المعرفة التي تنشدها الحداثة إنما تستهدف السيطرة على الطبيعة والتحكم في التاريخ وضبط المجتمع.وقد سبق لجان مارى دوميناك أن ربط بين ظاهرتين أساسيتين في تطور الحداثة الغربية هما:المعرفة والقوة، على أساس أن الحداثة تتميز أولا بإرادة المعرفة، وتتميز ثانياً بإرادة الهيمنة.

التحديث
انتشـر استعمـال مفهوم التحديث في العلوم الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية، أى في الوقت نفسه الذي بدأت فيه النظريات والدراسات المتعلقة بالتحديث تعرف رواجاً في أوساط الباحثين الأمريكيين على وجه الخصوص. ومنذ البداية عانى هذا المفهوم من عدة التباسات أضعفت من إجرائيته العلمية وجعلته يتداخل مع مفاهيم أخرى كالتغريب، والتحضر، والتصنيع، والتنمية، والنمو.
ولقد انطلق جل الدراسات المبكرة حول التحديث من افتراض أساسي مفاده أن الشروط التي تسمح بنمو مجتمع معين تكمن في زيادة مردود العوامل الاجتماعية والهيكلية من جهة، وفي التحطيم الكلى لجميع العناصر التقليدية من جهة أخرى. وبهذا فهي تنطلق من ثنائية صارمة تقوم على الفصل بين نمطين اجتماعيين ثابتين: مجتمع "تقليدي" ومجتمع "حديث"، ومن أن وجود الثاني يستلزم القضاء على الأول.
كما اعتبرت تلك الدراسات أن كل المجتمعات المسماة "متخلفة" تواجه الصعوبات نفسها وتسير بكيفية خطية ومتشابهة نحو التحديث. أكثر من ذلك فإن معظم هذه الدراسات ظل يعتبر أن المجتمعات "التقليدية" مجتمعات لا تاريخ لها. وأن تاريخها إنما يبدأ باندماجها في النظام الرأسمالي العالمي.
غير أنه سرعان ما تبين من خلال دراسات أخرى ركزت على ملاحظة التطور الفعلي والملموس للمجتمعات المسماة "تقليدية" أن التطور لا يتم بهذا الشكل الخطى النمطي وأن لكل مجتمع طريقه الخاص في تحقيق التحديث، وبناء على منطق "داخلي" يحدد اتجاه التغيير في هذه المجتمعات. ومن أبرز من مثل هذا الاتجاه جوسفيلد الذي أوضح، بطريقة إجرائية وميدانية، هشاشة المنظومة المدافعة عن أحادية خط التحديث. كما كشف من خلال تركيزه على عنصر الاستمرارية التاريخية للمجتمعات المدعوة "تقليدية"، عن ضعف كل النظريات التحديثية التي طالما قللت من أهمية التقاليد والتراث في تحديد حاضر هذه المجتمعات التي جرى نعتها بالخضوع والامتثال وغياب التاريخ، مؤكداً، في المقابل، أن كل المجتمعات تعرف، ولو بدرجات متفاوتة، قدراً من الحركية والتغيير وبالتالي فهي مجتمعات تاريخية. وأن كل حداثة تشكل تركيباً يجمع بين التقليد والتحديث وليست عبارة عن ثنائية يستقل كل طرف فيها عن الآخر.
لقد تغير بذلك، بناء مشروع التحديث النظري، فلم يعد يساوى بين التطور والنمو الاقتصادي ولم يعد التصنيع شرطاً لازماً "للتحديث"، وحل التحليل متعدد الأبعاد للعملية الاجتماعية محل التحليل أحادى الأبعاد. وأصبح ينظر إلى التحديث على أنه عملية شاملة تضم إلى جانب النمو الاقتصادي والتقدم الثقافي تحول النظام السياسي نحو الديمقراطية، والتطور الاجتماعي نحو التعددية والانفتاح، إلى جانب تحولات موازية في البناء النفسي للجماعة، ويستدعى ذلك أن يكون المجتمع منظماً اقتصادياً وسياسياً بكيفية تسمح بتوسيع إمكانيات التحرر الفردي والجماعي فيه.
على صعيد آخر، إذا كان نموذج التحديث الغربي قد اتخذ في طرحه المبدئي الشكل التالي:
تراكم رأس المال التصنيع التحديث فإن هناك من يؤكد أن الخصائص السابقة لا يمكن التماسها بالكيفية نفسها في المجتمعات العربية الراهنة، لأن نقطة بداية المشروعين التحديثيين ليست واحدة، كما أن السرعة التي يتحول فيها كل مجتمع ليست بالوتيرة نفسها، إلى جانب خصوصية عامل التراث والتاريخ.
والواقع أن مشروع التحديث في المجتمعات العربية والإسلامية ظل في جوهره مشروع الدولة ونتاج رؤيتها للعالم. أي لم يكن هذا المشروع استجابة لإرادة المجتمعات العربية ولا كان مشروع طبقة جديدة على غرار ما تم في التاريخ الأوروبي الحديث من خلال الطبقة البرجوازية. بل على النقيض من ذلك فقد استقبله المجتمع العربي والإسلامي بالاستغراب والدهشة والشك، ولم يتردد في مقاومته.
ما بعد الحداثة
يتميز مفهوم ما "بعد الحداثة" بقدر غير يسير من الغموض والتشوش، حيث يجرى إطلاقه على الكثير من الأمور المتناقضة. غير أن هذا لا يمنع من النظر إليه كبؤرة تتداخل فيها ثلاثة عناصر أساسية، يتعلق أولها بالردة خلال العقود الأخيرة عن بعض مظاهر الحداثة. وثانيها بانطواء ما بعد الحداثة على تيار فلسفي من مكوناته: رفض التنوير، وإلغاء الذات، واعتماد تصور انفصالي وفوضوي للزمن، ورفض كل مركزية، واعتبار العقل والحقيقة محض وهم، وبالتالي فالنظريات العلمية حسب هذا التيار ما هي إلا أطروحات تعبر عن مصالح اجتماعية خاصة، وهو ما عبر عنه ميشال فوكو بقوله: "إن إرادة المعرفة هي مجرد شكل واحد من أشكال إرادة السلطة". كما أن الواقع وفقه لا يعدو أن يكون مجموعة غير منتظمة من الجزيئات التي يهيمن عليها صراع لا ينتهي من أجل السلطة. وتبعاً لذلك فإن الناس، بوصفهم جزء من هذا الواقع يظلون مفتقرين إلى أي تماسك أو سيطرة على أنفسهم.
أما العنصر الثالث من عناصر ما بعد الحداثة فهو "نظرية المجتمع ما بعد الصناعي" التي طورها علماء اجتماع مثل "دانييل بيل" في أوائل السبعينيات، حيث ذهبوا إلى أن العالم يدخل عصراً تاريخياً جديداً سوف يصبح الإنتاج المادي فيه أقل أهمية، بينما تغدو المعرفة فيه هي القوة الرئيسية للتطور الاقتصادي. وذهب فرانسوا ليوتار إلى حد القول بأن المعرفة في "وضع ما بعد الحداثة" تتخذ باستمرار شكلاً مجزءاً متخلية عن كل دعاوى الحقيقة أو المعقولية وهو ما يعبر عنه بـ "انهيار الروايات الكبرى"، كون العالم يشهد تفكك المذاهب والنظريات والاتجاهات الفكرية الكبرى، ويعانى من غياب أنساق المعتقدات التي توجه الإنسان في تفكيره وقيمه وسلوكياته وعلاقاته بالآخرين.
وإذا كانت محاولة تشخيص الحداثة تبدو أكثر يسراً من خلال الإمساك بها من إحدى مفاصلها الأساسية كالتمايز الوظيفي (عند إميل دوركايم) والانتشار السلعي (عند كارل ماركس) والعقلنة (عند ماكس فيبر). فإن مجتمع ما بعد الحداثة بلغت فيه العمليات سالفة الذكر (التمايز، الانتشار السلعي، العقلنة) ذروة تداخلها المفضي إلى حالة من الغموض والتعقيد الشديدين.

17- الديمقراطية: Democracy
لعل أكثر المعاني شيوعاً للديمقراطية هو حكم الشعب. ومن حيث أصل الكلمة ترجع كلمة الديمقراطية إلى عهد اليونان وهي مركبة من شقين: الأول Demos ومعناها الشعب، والثاني Crates ومعناها السلطة أو الحكم، وبذلك يكون المعنى سلطة الشعب أو حكمه.
ويعكس مفهوم الديمقراطية مجموعة من المبادئ الأساسية تتمحور حول الإيمان بحرية الفرد وسيادة الشعب، والمساواة القانونية، والتعددية الحزبية، والمشاركة السياسية، والتداول السلمي للسلطة والانتخاب الحر...إلخ.
وإذا كانت الأبعاد السابقة ذات طبيعة سياسية فإن ثمة أبعاداً اقتصادية-اجتماعية للمفهوم تركز على الحق في العمل، وفي الضمان الاجتماعي، وفي المساواة في الأجور...إلخ. وتعتبر هذه الأبعاد جوهر الديمقراطية عموما،ً وفي شقها السياسي خصوصاً على أساس أن الجائع لا يشارك سياسياً.
في هذا الإطار تدعى كل النظم السياسية في العالم الديمقراطية، وتعمل على تبيئة المفهوم بتسميات محلية مثل ديمقراطية الاستفتاءات عند النازيين، والديمقراطية المركزية عند ماوتسي تونج، والديمقراطية الموجهة عند سوكارنو، والديكتاتورية الديمقراطية عند سيكوتوري، والديمقراطية الحقة عند كاسترو.
والديمقراطية قد تكون غير مباشرة، أي أن يحكم الشعب بواسطة ممثليه أو نوابه وهي الصورة الشائعة. أو قد تكون مباشرة بمعنى أن يحكم الشعب نفسه بنفسه وهو ما مثل النمط المتبع في النموذج الأثينى، لكن التضخم الكبير في عدد السكان أدي إلى استحالة اللجوء إليه إلا من خلال الاستفتاء الشعبي على قرارات أو مشروعات قوانين لها أهميتها الخاصة. ومن الملاحظ أن الدعوة إلى الديمقراطية اكتسبت أبعاداً جديدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتجلى ذلك في التحول الديمقراطي في العديد من دول أوروبا الشرقية فضلاً عن أمريكا اللاتينية وآسيا فيما أطلق عليه الموجة الثالثة للديمقراطية. وأحرزت الجهود الدولية ذات الصلة تقدماً ملموساً.
يذكر أن لجنة حقوق الإنسان بالأمـم المتحدة عنيت في قرارها رقم 46/2002 بتحديد عناصر النظام الديمقراطي كخطوة لا غنى عنها لضبط ممارسات النظم السياسية وتلك العناصر هي: احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، والتعددية السياسية، وتداول السلطة وممارستها في إطار سيادة القانون، وإجراء انتخابات دورية ونزيهة بالاقتراع العام وبالتصويت السري كوسيلة للتعبير عن إرادة الشعب، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، والشفافية والمساءلة.
ولم يتضمن ميثاق الأمم المتحدة أية إشارة مباشرة إلى الديمقراطية، لكن المنظمة الدولية شرعت اعتبارا من عام 1988 في اعتماد قرارات وتنفيذ برامج وتدابير لتعزيز الديمقراطية، وتدخل في هذا السياق تجاربها المتعددة في التحقق من سير العملية الانتخابية في عدد من دول العالم.
وفي عام 1999 وقع تطور حري بالتسجيل مع إقرار الأمم المتحدة أول نص يؤكد على الحق في الديمقراطية، إذ يشير قرار لجنة حقوق الإنسان رقم 1999/57 إلى اتجاه القانون الدولي نحو الاعتراف بالديمقراطية كواحدة من القيم التي تحظى بحماية قانونية دولية من جهة، وإلى الترابط بين الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة أخرى. وأورد القرار مجموعة من الحقوق التي تمثل أساس نظام الحكم الديمقراطي وجوهره، وتلك هي: الحق في حرية الرأي والتعبير والفكر والمعتقد، وتكوين الجمعيات السلمية والتجمع السلمي، والحق في الوصول إلى المعلومات وتداولها، وسيادة القانون، والحق في الاقتراع العام على قدم المساواة في انتخابات حرة ونزيهة، والحق في المشاركة السياسية بما في ذلك حق إقامة المؤسسات الحكومية على أساس من الشفافية والمساءلة، والحق في اختيار المواطنين لنظامهم الحكومي بالوسائل الدستورية أو سواها من الوسائل الديمقراطية، والحق في تكافؤ فرص تولى الوظائف العامة. ومن بعد توالت جهود المنظمة الدولية ذات الصلة، حيث صدر قرار لجنة حقوق الإنسان رقم 2002/46 بعنوان "زيادة التدابير الرامية إلى تعزيز الديمقراطية وتوطيدها"، وهو القرار الذي تجنب وضع تعريف خلافي للديمقراطية وتجاوزها إلى تعريف خصائص الديمقراطية وذلك في تأكيد على مضمون القرار رقم 1999/57 مع إشارة خاصة إلى الأحزاب السياسية والمنظمات السياسية. كما أضاف قرار اللجنة نفسها رقم 2000/47 إلى كل ما سبق من أركان النظام الديمقراطي: زيادة فعالية إجراءات وضع السياسات، وتعزيز التنمية المستدامة، وزيادة التلاحم والتضامن الاجتماعيين.
على صعيد آخر، بدأت قضية الديمقراطية تكتسب أبعاداً جديدة بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001، إذ ذهبت بعض التحليلات الغربية إلى أن غياب الديمقراطية في بعض البلدان أدى إلى شيوع الإرهاب وتصديره للخارج ومن ثم إلى إلحاق الأذى بالمجتمعات الغربية. وفي هذا السياق طرحت الولايات المتحدة عدة مشروعات لإشاعة الديمقراطية وطرح مفاهيم جديدة للسيادة خفضت مضمونها إلى حد بعيد بما يسمح بالتدخل الخارجي لفرض أشكال معينة من التطور السياسي والثقافي والاجتماعي، الأمر الذي يثير جدلاً كبيراً داخل منطقة الشرق الأوسط التي اختصها هذا التصور بتركيز شديد.
الشورى
يشير المدلول اللغوي لمفهوم الشورى إلى تداول الرأي في الشئون العامة، وإن اختلف في تكييفه في المجال السياسي ما بين اعتباره ملزما واعتباره اختيارياً. وفيما يخص علاقة الشورى بالديمقراطية فإنها تظل علاقة شائكة تتنازعها ثلاثة اتجاهات أساسية، الأول يذهب إلى اعتبار الديمقراطية هي المرادف لنظام الشورى، وفي هذا الإطار يصبح مفهوم أهل الحل والعقد هو المعادل لمفهوم المجالس النيابية. بينما يذهب الاتجاه الثاني إلى النقيض تماماً، ويرى أن نظام الشورى الذي ينبثق عن فلسفة مغايرة للنظام الديمقراطي لا يمكن أن يكون مرادفاً له، وذلك من منطلق أن الديمقراطية تقوم على سيادة الشعب وتبيح التعددية الحزبية وتقر المساواة الكاملة وتطلق الحريات الفردية، فيما تعتنق الشورى حاكمية الله وترفض التحزب وتعتمد العقيدة معياراً لترتيب فئات الحقوق وتقييد الحريات وضبطها. أما الاتجاه الثالث والأخير فيميز بين نقاط الاختلاف ونقاط الالتقاء بين الشورى والديمقراطية، فيربط العملية التشريعية بالمسائل التي لم يرد بخصوصها نص، ويؤمن بالتعددية الحزبية المقيدة لبعض الاتجاهات الفكرية والتيارات السياسية، ولا يرى بأساً في المساواة طالما تم تسويد رأى الأغلبية في العملية الانتخابية، ويضبط الحريات الفردية بقاعدة لا ضرر ولا ضرار.

18- الإرهاب: Terrorism
ظهرت كلمة إرهاب لأول مرة في اللغة الفرنسية عام 1355 في إشارة إلى خوف أو قلق من تهديد غير مألوف وغير متوقع. وذهب قاموس أكسفورد إلى أن مفهوم الإرهاب مفهوم سياسي يرجع إلى جماعة اليعقوبيين التي عرفت بأعمالها العنيفة إبان الثورة الفرنسية ما بين عامي 1793/1794 وبأن الإرهابى هو كل من يحاول تعزيز أفكاره وآرائه باستخدام التهديد أو الإكراه أو العنف. وعلى الرغم من شيوع استخدام مفهوم الإرهاب على نطاق واسع، إلا أنه لم يحظ باتفاق عام إلى حد أن أحد الباحثين رصد 109 تعريفاً لهذه الظاهرة بحلول عام 1984. ويرجع هذا التشتت إلى أن التعريفات ذات الصلة خضعت لاعتبارات سياسية ومصالح دولية، ومن قبيل ذلك الخلط الحاصل بين المقاومة المشروعة للاحتلال وممارسات الاحتلال وسياساته. وقد ذهبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من جانبها في تعريفها للإرهاب إلى أنه يشمل بين ما يشمل الأعمال والوسائل والممارسات غير المبررة التي تثير رعب الجمهور أو مجموعة من الأشخاص لأسباب سياسية. ويمكن إضافة ما يفيد أنه يترتب على الأفعال الإرهابية إضرار بغير المستهدفين بها بالضرورة.
وكانت قضية الإرهاب قد فرضت نفسها بقوة على الساحة الدولية منذ ستينيات القرن العشرين مع انتشار ظاهرة خطف الطائرات وخطف الرهائن واتخاذهم دروعاً بشرية. وفي هذا الإطار تم توقيع 12 اتفاقية وبروتوكول بين أطراف متعددة لمكافحة الإرهاب، منها الاتفاقيات الخاصة بحفظ سلامة الطيران (مثل اتفاقية طوكيو عام 1963، واتفاقية لاهاى في عام 1970، واتفاقية مونتريال في عام 1971). كما وقعت اتفاقيات أخرى لتجريم الاعتداء على الأفراد المشمولين بالحماية الدولية بمن فيهم أعضاء الهيئات الدبلوماسية (مثل اتفاقية نيويورك في عام1973). وفئة ثالثة من الاتفاقيات اختصت بمنع القرصنة البحرية (كاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1983). هذا بخلاف اتفاقية خاصة بمنع تمويل الإرهاب (وهي القضية التي تزايد الاهتمام بها لاحقاً) وقعت عام 1999.
ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، انتهي الاستقطاب الدولي الحاد الذي كان محركاً بذاته لبعض أعمال الإرهاب. وفي الوقت نفسه فإن غياب العدالة الدولية وازدواجية المعايير الأمريكية مع انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم أدى إلى اتساع نطاق الإرهاب وتطوير أساليب جديدة لممارسته خصوصاً مع التقدم الكبير في وسائل الاتصال، وتزايد فرص تكوين شبكات إرهابية متعددة الأطراف والجنسيات، واتساع الآثار التدميرية للأسلحة المستخدمة في العمليات الإرهابية. على ضوء ذلك دعت الولايات المتحدة إلى عقد قمة لمكافحة الإرهاب في عام 1996 بعد أن وجهت إليها في هذا العام 73 عملية إرهابية من مجموع 296 عملية مماثلة على مستوى العالم، وشاركت في القمة دول الاتحاد الأوروبى و14 دولة عربية واليابان وإسرائيل فضلاً عن الولايات المتحدة نفسها بطبيعة الحال ومصر بوصفها الدولة التي استضافت القمة في مدينة شرم الشيخ. وشهد العام نفسه صدور قانون أمريكي لمكافحة الإرهاب سمح لرئيس الدولة بوقف مساعدة الدول راعية الإرهاب، واعتبار منظمات بذاتها إرهابية وبالتالي تجريم كل دعم لها، وتمكين السلطات الأمريكية من تحويل أي أجنبي يشتبه فيه إلى المحاكمة وتخويلها في الوقت نفسه حق ترحيل أى أجنبي دون إبداء الأسباب، واعتماد مليار دولار لإعمال هذا القانون. وقد عاد المشروع الأمريكي ليستلهم بعض عناصر هذا القانون فيما يعرف باسم قانون الوطن Patriot ولكن مع توسيع صلاحيات الرئيس وتقليص ضمانـات العدالة، وذلك بعد أن وقعت تفجيرات سبتمبر/أيلول 2001
على صعيد آخر، وفي إطار ما عُرِف باسم الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب التي قادتها الولايات المتحدة بعد التفجيرات التي وقعت بها، تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار رقم 1373 الذي أصدره مجلس الأمن في 28/9/2001 بعد عرضه عليه بما لا يزيد عن 24 ساعة، وتضمن سلسلة من الإجراءات يتعين على الدول اتخاذها وموافاة مجلس الأمن بها بهدف قطع جميع وسائل الدعم المالي واللوجستي عن التنظيمات الإرهابية.
جدير بالذكر أن أكثر من دولة عربية كانت قد وضعت قانوناً لمكافحة الإرهاب قبل هذا التاريخ (من بينها مصر - تونس)، كما دخلت الاتفاقية العربية للقضاء على الإرهاب حيز التنفيذ في 7/5/1999 بعد توقيع الدولة العربية التاسعة عليها، حسب نص البند (1) من المادة 40 من هذه الاتفاقية على هذا الشرط لسريان الاتفاقية.
العنـف
يعتبر مفهوم العنف من أبرز المفاهيم التي تتداخل مع مفهوم الإرهاب، وفي هذا الصدد يميز فقه القانون الدولي بين اتجاهين رئيسيين بصدد المقصود بالإرهاب كصورة من صور العنف، يرى أولهما أن الإرهاب يتحقق باستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية، بينما يعتبر الثاني أن غرض الإرهاب يتمثل في إشاعة الرعب في المجتمع.
والمعنى أن الاتجاه الأول يعول على طبيعة الهدف من العنف وهل هو سياسي أو غير سياسي، لكن الإشكالية التي تبرز هنا تتمثل في تعريـف المقصود بـ "السياسي" من جهـة، ومن الذي يحدد طبيعة الهدف السياسي من جهة أخرى.
الاتجاه الثاني يسلم بالدور الهام الذي يلعبه البعد السياسي في كثير من الجرائم، إلا أنه لا يعتقد أن مثل هذا الدور يصلح لأن يتخذ أساسا لتعريف الجريمة الإرهابية التي تتخذ من إشاعة الرعب محكاً لها. والحقيقة أن ثمة إشكالية قائمة في تحديد مفهوم العنف تحديداً صارماً قاطعاً، إذ أن الإرهاب عادة ما يقترن بالعنف، كما أن العنف هو أحد مظاهر الإرهاب.
إلا أن مظاهر التمييز بينهما تقوم على أسس أهمها:
* أن أهداف الأعمال الإرهابية تتجاوز أهداف أعمال العنف الإجرامية إلى النطاق الأوسع الذي يهدد أمن المجتمع وسلامته من الناحية السياسية.
* بينما توجد علاقة مباشرة بين الفاعل والمجني عليه في جرائم العنف، غالباً ما تكون هذه العلاقة مفقودة بين الإرهابي وضحاياه في الجرائم الإرهابية.
* العنف لا يمارس من خلال تنظيم محكم له عقيدة أو فكر، وإنما غالباً ما يمارس بشكل فردى أو من خلال عصابات منظمة لكنها محددة النشاط كالسرقة أو الاتجار في المخدرات.بينما يمارس الإرهاب من خلال تنظيمات سياسية وحركات عقائدية فكرية غير رسمية، كما انه قد يمارس من خلال أجهزة الدولة فيما يعرف بإرهاب الدولة.
التحرر الوطني
أثارت المحاولات الساعية إلى مد مفهوم الإرهاب ليشمل حركات التحرر الوطني إشكاليات نظرية وعملية جمة. ففي الوقت الذي يؤكد فيه القانون الدولي على إدانته الواضحة لأعمال الإرهاب، فإنه يعطى شرعية لأعمال المقاومة الوطنية أو التحرر الوطني أو الكفاح الوطني وكلها تحمل المعنى نفسه. وكان أول قرار صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن معالجة الإرهاب (وهو القرار رقم 3034 بتاريخ 18/12/1972) قد أكد مشروعية الكفاح من أجل التحرر الوطني، وميز بينه وبين أعمال الإرهاب حيث أعاد تأكيد الحق الثابت في تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب الواقعة تحت الاستعمار وأنظمة التمييز العنصري وأنواع السيطرة الأجنبية الأخرى، ودعم شرعية نضالها خصوصاً في إطار الحركات التحررية وذلك وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة، بل إن هذا القرار وغيره من القرارات الدولية ذات الصلة اصطلحت على أن إنكار حق الشعب الشرعي في تقرير المصير والاستقلال هو عمل إرهابي.
ويكفي أن نشير هنا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3246 بتاريخ 14/12/1974 الذي جدد التأكيد على مشروعية كفاح الشعوب في سبيل التحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والقهر الأجنبي بكافة الوسائل المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح. كما أن مؤتمر تطوير القانون الإنساني الذي انعقد في جنيف عام 1976 أقر بروتوكولين يعتبران أن حروب التحرر هي حروب دولية، وجاء في المادة الأولى من البروتوكول الأول أن حروب التحرر الوطني هي حروب مشروعة وعادلة، وهي حروب دولية تطبق بشأنها كافة القواعد التي أقرها القانون الدولي زمن الحرب، واعتبر أن حركات التحرر الوطني هي كيانات محاربة ذات صفة دولية وهي بمثابة الدول التي لا تزال في طور التكوين. فيما عرف القانون الدولي الاحتلال بأنه جريمة عدوان وعمل غير مشروع شأن الأعمال الإرهابية.

19- المشاركة السياسية: Political Participation
هي مساهمة الفرد في أحد الأنشطة السياسية التي تؤثر في عملية صنع القرار و/أو اتخاذه، والتي تشمل التعبير عن رأى في قضية عامة، والعضوية الحزبية، والانضمام لمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني أو التعاون معها، والترشيح في الانتخابات، وتولى أي من المناصب التنفيذية والتشريعية. وتثير المشاركة السياسية مجموعة من الإشكاليات النظرية، من بينها إشكالية العلاقة بين المساواة والمشاركة على أساس أنه لا وجود فعلياً للمشاركة الكاملة لعموم المواطنين بسبب التمييز بينهم وفق معايير مختلفة، وفي الوقت نفسه فإن من المتعذر وضع المساواة على قمة منظومة القيم السياسية في ضوء اعتبارات متعددة أبرزها تأثر سيادة الدولة بفعل العولمة وبالتالي تراجع دورها الاقتصادي والاجتماعي.
كذلك فإن هناك إشكالية العلاقة بين السلطة والمشاركة وجوهرها السؤال التالي: هل يمكن أن تنشأ سلطة قوية في ظل مشاركة فعالة؟ مثل هذا السؤال يمكن الإجابة علية بالإيجاب في حالتين، الأولى افتراض أن المشاركة تساوى التأييد للسلطة وهو ما قد لا يتحقق بالضرورة، والثاني ترسيخ التقاليد الديمقراطية بما يساعد على تقبل السلطة للنقد من جهة وعدم التجاوز في ممارسة النقد من جهة أخرى بما يؤدى إلى انتشار الفوضى السياسية.
وهناك أيضاً الإشكالية الخاصة بمستويات المشاركة وأطرها، فالمشاركة قد تكون سلبية كما في الامتناع العمدي عن التصويت في الانتخابات احتجاجاً على ضعف قابلية النظام السياسي للتغيير، أو تكون إيجابية كما في استخدام النائب حقه في التصويت حرصاً على التأثير على مسار الحركة السياسية. وقد تتم على المستوى الوطني (الكلى)، أو المحلى (الجزئي). كما قد تمارس من خلال المؤسسات كالأحزاب والمنظمات غير الحكومية، أو من خارج أى إطار كما في الجهود التطوعية الفردية في نطاق الحي أو الشارع لرفع مستوى الوعي السياسي للمواطن.
الشراكة
ظهر مصطلح الشراكة في إطار حرص الدول الواقعة شمال المتوسط على المساعدة في تحقيق التنمية في الدول الواقعة جنوبه،وذلك عوضاً عن سياسة المعونات التي كانت تنصب على الجانب الاقتصادي حيث تغطى علاقة الشراكة مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية – الاجتماعية والثقافية وذلك في تعبير عن تكامل الأبعاد المتعددة لمفهوم التنمية. وقد حرصت الأدبيات ذات الصلة على وضع مجموعة من الضوابط لنجاح الشراكة، أبرزها الطابع المتبادل (وليس المتساوي بالضرورة) للعلاقة، ووضوح الهدف منها، وشعور كل طرف بأنه سيتحصل منها على ما يعنيه. وعلى الرغم من شيوع مصطلح الشراكة في مجال التعبير عن العلاقة في مجالات متعددة من أهمها مكافحة الإرهاب، وإحلال السلام، إلا أن الشراكة في مجال التنمية هي المفهوم الأكثر شيوعاً. وفي إطار هذا الفهم للشراكة عقدت مجموعة من المؤتمرات، منها مؤتمر برشلونة في عام 1995 تمخض عنه مساران أو مستويان للعمل، أحدهما ثنائي والآخر إقليمي، ومؤتمر يوروميد في عام 1996 الذي انصب تركيزه على الجوانب الاجتماعية، ومؤتمر مالطا في عام 1997 الذي بحث في أولويات التعاون المتوسطى وفقاً لإعلان برشلونة، ومؤتمر باليرمو في عام 1998 وشتوتجارت في عام 1999، ومارسيليا في عام 2000، وبروكسيل في عام 2001، وفالنسيا في عام 2002، وجميعها استهدفت زيادة مساحة التفاهم بين شاطئي المتوسط، وأسفرت عن توقيع عدد من اتفاقات الشراكة مع بعض الدول العربية.

20- الشرعية: Legitimacy
هي مجموع العناصر الفكرية-الرمزية التي يستطيع الحاكم بواسطتها إقناع المحكومين بأحقيته في الحكم. وقد جرى التمييز، وتحديداً مع ماكس فيبر، بين أنماط مختلفة للشرعية، تستمد منها السلطة استمراريتها، كنمط الشرعية التقليدية الذي يقوم على تطابق آلية نشوء السلطة وممارستها مع أعراف وتقاليد وعقائد سائدة. وفي هذا النمط يتماهي الأفراد مع السلطة ويقبلون ما تأمرهم به، لأنها تمارس ضمن المفاهيم والقيم التي تمثلوها وآمنوا بها. ونمط الشرعية الكارزمية ونموذجها حكم الشخص الذي يتمتع بصفات تجعله يحظى بتأييد المواطنين وولائهم والتماهي بالتالي مع أفكاره وبرنامجه. وقد يكون الزعيم الملهم قائداً أو خطيباً مفوهاً. وأخيراً نمط الشرعية العقلانية التي يتحقق فيها ولاء الأفراد للسلطة القائمة وخضوعهم الطوعي لها من خلال امتثال الجميع بمن فيهم الزعيم نفسه، لقواعد وقوانين واضحة ودقيقة، تحدد لكل فرد موقعه ووظيفته وحقوقه وواجباته، أي تكون نظاماً محدداً من التراتبية العقلانية التي تضمن تداول السلطة بصورة سلمية واضحة.
وتتحقق شرعية السلطة إذا تطابقت مصالح الشعب وسياسات السلطة، والقيم التي تسيرها وتلهمها، مع الغايات والأهداف والقيم التي تعتبرها الجماعة في حقبة من الحقب، المبرر الحقيقي أو الرئيسي لوجودها، ولذلك فهي تمس السلطة في أصلها لا في فصلها. ومن ثم لابد من التمييز بين الشرعية وبين لوازمها، فالشرعية لا تأتى بأمر أو قرار، أى أن الحكم أو النظام السياسي لا يحوز الشرعية بإرادته، وإنما نتيجة تطابق ممارسته الفعلية مع معايير الجماعة الوطنية. كما أن النظام السياسي قد يتحدى التزام القواعد القانونية من الناحية الشكلية، إلا أن ذلك لا يضمن له حيازة المشروعية بالضرورة وهذا ما ينقلنا إلى مفهوم المشروعية التي تعنى مطابقة ممارسة السلطة السياسية للقواعد القانونية. فالمشروعية إذن هي صفة الشيء المطابق في تحققه لما هو منصوص عليه في القانون أي لقواعد محددة ومعروفة.
الشرعنة
هي عملية الحصول على الشرعية، على اعتبار أن تلك العملية هي التي تحدد مفهوم الشرعية، فبينما تتميز فكرة الشرعية بكونها معيارية وقيمية وبالتالي ذاتية متغيرة وصعبة التحديد، فإن الشرعنة، عملية إجرائية يمكن معاينتها وتحديدها، وعادة ما يجرى التمييز بين الشرعنة الفكرية وتلك الاجتماعية تبعاً للوسائل التي تستخدمها السلطة لترسيخ حكمها والتأثير في المواطنين.

21- العلمانية: Secularism
يعد مفهوم علماني ترجمة لكلمة Laique وSecular ومشتقاتهما ،حيث كان المعنى الأصلي لكلمة "لائكي" (ذات الأصل اليونانى "لايكوس" أي ما ينتمي إلى الشعب مقابل الإكليروس أي الكهنوت) يشير إلى من هو ليس من رجال الدين، ثم أصبح يعنى الشخص المدني مقابل رجل الدين. غير أنه استعمل بعد ذلك في فرنسا تحديداً للدلالة على العداء للدين ورجاله. ثم استقر في أغلب الأحيان ليعبر عن التمييز بين ما هو دنيوى وما هو مقدس، حيث أضحى المذهب اللائكى هو المذهب الذي يطالب بجعل الحياة العامة غير خاضعة لسلطة الدين ورجاله، مع التشديد على أن المقصود بالدين هنا هو تعاليم الكنيسة باعتبارها مؤسسة تنازع الدولة سلطتها على الناس بحيث تملك الدولة أبدانهم وتملك الكنيسة أرواحهم.
وبالتالي فإن اللائكية فكرة مرتبطة بوضعية خاصة، هي وضعية المجتمع الذي تتولى فيه الكنيسة السلطة الروحية أي يكون فيها الدين مبنياً لا على علاقة مباشرة بين الإنسان والله كما هو الحال في الإسلام، وإنما على علاقة تمر عبر "رجل الدين" الذي يتخذ العمل الديني مهنته ووظيفته، ويرتبط تنظيمياً بهيئة دينية عليا تعتبر نفسها المشرع الوحيد في ميدان الحياة الروحية.
وتعتنق العلمانية نظرية الفصل بين الدين والدولة، وهذا هو جوهرها، من منطلق أن هذا الفصل يشكل شرطاً لازماً للقضاء على الاستبداد والتمييز بين الناس حسب قربهم من المعرفة الدينية الصحيحة، وتحرير العقل من الخرافة وإطلاق الروح العلمية وما يتصل بها من عقلانية وإبداع. ويتركز هذا الفصل في مجالين أساسيين:
- مجال المجتمع السياسي بالقضاء على الثيوقراطية.
- ومجال النشاط العقلي بالقضاء على المعرفة الغيبية الميتافيزيقية واستبدالها بالمعرفة العلمية العقلانية.
ولأن العلاقـة بين السلطتين الدينية والزمنية علاقة تاريخية، فقد اختلفت باختلاف المجتمعات الأوروبية، كما عرفت تطورات مهمة في كل مجتمع غربي على حدة، حيث بات البعد الديني حالياً يحتل مكانة متميزة يشهد بها صعود اليمين الديني في عدة مجتمعات (بما فيها المجتمع الأمريكي نفسه) وبالتالي أصبحت العلمانية محل نقاش ومراجعة فكرية وسياسية جادة في نطاقها.
إذا كان الأمر كذلك في السياق الحضاري الغربي، فإن العلمانية لا تعبر عن مفهوم أصيل في التجربة الحضارية العربية الإسلامية.
والملاحظ أن جل التحليلات العربية لمفهوم العلمانية يتأرجح بين اتجاهين أساسيين : العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، فبينما يتبنى البعض العلمانية الجزئية بوصفها إجراء ينفي وجود أية علاقة استبعادية بين العلمانية والدين والأخلاق والقيم والتراث والهوية الوطنية (نموذج محمود أمين العالم)،يتبنى البعض الآخر العلمانية الشاملة العقائدية كفلسفة وضعية شاملة مكتفية بذاتها ترفض أية مرجعية مفارقة خارج العقل والعالم (نموذج عزيز العظمة)،فيما يرى اتجاه ثالث أن إشكالية العلمانية في الوضع العربي الإسلامي هي إشكالية مغلوطة ومزيفة وغير إجرائية ويقترح بديلاً لها الديمقراطية والعقلانية (نموذج كل من محمد عابد الجابرى وبرهان غليون).

الرشادة أو العقلانية
يرتبط معيار عقلانية ثقافة أو منظومة دينية معينة بالوظيفة الاجتماعية لهذه الثقافة أو تلك المنظومة الدينية، من منطلق أن العقلانية ليست هي تماثل العقول في كل زمان ومكان، ولكنها بلورة الحلول السلمية للمشكلات المطروحة.
ومن هنـا وبينما جعلت العقلانية الأوروبيـة العقل مفهوما يشمل كل مجالات الفاعلية البشرية وينظم عملية الإنجاز ويسوغها ويستوعب عملية الأخلاق والفن والسياسة. وتحولت على اثر ذك، كثير من القيم التي بشرت بها تلك العقلانية كالمساواة، والمواطنة الحرة، والمشاركة السياسية، والتقدم التقني إلى قيم اجتماعية وإنسانية عامة، فان الفكر الحداثي العربي قد قلب تلك العقلانية وأحالها إلى أيديولوجية علمية،وقلص مفهوم العقل إلى العلم، والعلم إلى محض معلومات. وتفسير ذلك أن العقلانية الحديثة "لم تنتج في المجتمعات العربية كثمرة لتطور اجتماعي داخلي مرتبط بنمو فكرى مستمر ومتكامل"، ولكنها أقحمت كثمرة تقليد فئة من السكان لطبقة برجوازية خارجية واستعملتها كسلاح في ساحة الصراع الأيديولوجي في مواجهة ثقافة الأمة.
إن الحديث عن العقلانية بصيغة المفرد لا يعنى أن هناك مفهوما واحدا للعقل والعقلانية ؛ فإلى جانب العقلانية التي تسعى إلى إضفاء المعقولية على الواقع من خلال البحث عن الصيغ التي يمكن بفضلها اعتبار ذلك الواقع مطابقا للمعقول، هناك العقلانية التي تسعى إلى عقلنة الواقع والعمل على تجاوزه وتثويره وتغييره بدل تبريره، كما أن هناك عقلانية ذرائعية توظف الوسائل في خدمة الغايات دون تساؤل عن مضمون هذه الغايات، وما إذا كانت إنسانية وأخلاقية أم لا.
ومقابل العقلانية الوضعية التي تطابق بين العقل والعلم وتضع الدين وكل ما له علاقة بالروح والآداب والفنون خارجه، هناك عقلانية إنسانية تعتبر أن العقل يحيل إلى الثقة بالمعرفة البشرية المبنية على التجربة والملاحظة وتأكيد صلاحيتها، إلى جانب الوحـي، وذلك تطلعاً لقيادة العالم، وتنظيمه، والتخطيط له.
وفي هذا الإطار ينتقد أنصار "العقلانية الإسلامية" الحكم بأن الدين مخالف للعقل ومجانب للعلم ويعدونه حكماً مسبقاً يحكم على المقولات دون تفحصها في حد ذاتها لتبني عقلانيتها وعلميتها من عدمه، معتبرين أنه من المغالطة عند مناقشة العلاقة بين الدين والعقل البدء بالتساؤل من مع الإسلام ومن مع العقل، وإنما الاستفهام عن من مع العقل الذي يرتكز على الإسلام ومن مع العقل الذي يقوم على مرتكزات أخرى، فالصراع ليس صراعاً بين عقل ولا عقل وإنما هو صراع بين مقولات يحمل كل منها عقلاً محدداً. ولهذا لا يصح أن يوصف تلقائياً، معارضو الدين بأنهم عقلانيين بينما يوصف المتدينون بأنهم غير عقلانيون، فالإنسان يؤمن ولا يؤمن من خلال العقل وكل فكر يحمله عقل محدد، أي أن الناس لا يؤمنون بالوحي ويتبعون أوامره ونواهيه إلا عبر عقولهم ومن خلال منهج فكرى محدد يقبله العقل، الأمر الذي يجعل الفصل بين الدين والعقل أمراً تعسفياً من جهة وغير واقعي من جهة أخرى.

التنوير
تعود حركة التنوير في أوروبا إلى القرن الثامن عشر وتحديداً خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1670 و1800 في كل من فرنسا وألمانيا ثم انتشارها في مختلف أرجاء أوروبا. أما أهم ما ميز هذه الحركة في نشأتها الأولى فهو كونها تياراً فكرياً عقلانياً قام بمواجهة سلطة الكنيسة والاستبداد على حد سواء. وقد ارتبطت بهذه الحركة جملة أحداث سياسية وتقنية واقتصادية وعلمية مهدت للطور الأهم الذي هز أوروبا بأسرها وأدخلها عصر الحداثة السياسية، من خلال الثورة الفرنسية في سنة 1789، وما تلاها من تحولات كبرى يأتي في طليعتها نشوء النظام الرأسمالي. وهكذا فإن عصر الأنوار يحيل إلى تلك الظاهرة الفكرية الواسعة التي عرفتها أوروبا في القرن الثامن عشر والتي تجلت في عدة جوانب أهمها:
- النقد الديني الذي قادته حركة الإصلاح البروتستنتى.
- تأكيد أولوية الإنسان ودعم استقلاله وإرادته، ورفعه إلى مستوى يصبح معه مرجع سلوكه والقاعدة المعيارية لممارسته الاجتماعية.
- إزاحة مختلف أنماط الاستبداد باعتبار أن شرعية السلطة يجب أن تكون نابعة من التعاقد الاجتماعي الحر.
- التأكيد على مفهوم التقدم الذي يقوم على تجاوز عوائق الخرافة والأسطورة والاستبداد في اتجاه العقل والعلم والحرية.
- تبلور الطبقة البرجوازية الليبرالية.
وهكذا قامت حركة الأنوار برسم سياسة عقلانية، وقوامها إرساء الحكم المدني (مع جون لوك)، ونشوء العقد الاجتماعي الجديد (مع جان جاك روسو)، والفصل بين الكنيسة والدولة وإعلان حقوق الإنسان والمواطن (الثورة الفرنسية). غير أن هناك من قلل من حدة القطيعة التي أحدثتها حركة التنوير مشدداً على كونها جاءت رافعة لواء التسامح مع الآراء المخالفة للرأي السائد، وبخاصة فيما يتعلق بالمعتقدات الدينية، والتحرر من الأغلال المقيدة للفكر والتعبير.
ولاشك أن انتشار الفكر التنويري خارج الإطار الأوروبي قد أحدث هزات في الفضاءات الثقافية التي انتشر فيها، سواء بشكل عنيف (من خلال حملة نابليون) أو بشكل سلمى (من خلال البعثات والعلاقات التجارية والسفارات).
وفي هذا الإطار فان العالم العربي الإسلامي تعرف على أوروبا جديدة قوية عسكريا، ومتحضرة مدنياً، وعلمانية سياسية. لكن اختلف رد فعله تجاه هذا التطور ما بين الدعوة لاستيعاب فكر الأنوار باعتباره فكراً مطابقاً لمتطلبات الحداثة كما نادى بذلك فرح أنطون ومن تلاه، وبين رفض هذا الفكر بإطلاق كما تجسد لدى رموز التيار الفلسفي أمثال سيد قطب، وبين دعاة الموقف الوسط من أمثال محمد أركون ومحمد عابد الجابرى.

22- غسيل الأموال: Money Laundering
تشير ظاهرة غسيل الأموال إلى تلك "العملية التي تستهدف إخفاء المصدر غير المشروع للأموال من خلال إعادة تدويرها".
وقد نشأت هذه الظاهرة لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية في عشرينيات القرن الماضي، حيث استخدم رجال الأمن هناك لفظ "غسيل الأموال" للدلالة على ما كانت تقوم به عصابات المافيا من شراء للمشروعات الاستثمارية بأموال قذرة أى ذات مصادر غير مشروعة بعد أن يتم خلطها برؤوس أموال وأرباح تلك المشروعات بغرض إخفاء مصدرها. إلا أن استخدام مفهوم غسيل الأموال لم يترسخ إلا اعتباراً من عام 1973 حيث شاع في الكتابات الصحفية على أثر فضيحة ووترجيت الشهيرة، وانتقل استخدامه إلى مجالات وحقول معرفية شتى خصوصاً مع تبلور ظاهرة العولمة الاقتصادية والمالية التي عززتها الثورة التكنولوجية والمعلوماتية في نهاية القرن العشرين، وانتشار المناطق الحرة والملاذات الضريبية، فضلاً عن تداعيات أحداث سبتمبر/أيلول 2001.
وظاهرة غسيل الأموال، بهذا المعنى، لا تشير إلى جريمة عادية أو بسيطة يمكن ارتكابها بشكل غير مدروس على غرار العديد من الجرائم، وإنما هي جريمة يتوقف القيام بها على شبكة أو مجموعة شبكات إجرامية منظمة تتميز بدرجة عالية من التنسيق والتخطيط والانتشار في مختلف أنحاء المعمورة، أي أنها تعد جريمة منظمة بامتياز ذات أبعاد دولية، ولذلك فقد كان هناك توافق مبدئي في إطار الاتفاقية الدولية بخصوص مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية في فيينا سنة 1988 على تجريم غسيل الأموال القذرة وفقاً للأنظمة القانونية لكل من الدول الـ 132 التي انضمت إليها، غير أنه لازال هناك عدم توافق ملحوظ بين الدول فيما يتصل بوضع تعريف موضوعي شامل وموحد لهذه الجريمة؛ فبينما عملت بعض الدول في تشريعاتها على قصر هذه الأموال القذرة على تلك المكتسبة من الجريمة المنظمة خاصة جريمة نهب المال العام وإيداعه المصارف الدولية، فإن دولاً أخرى أخذت بالمفهوم الواسع لهذه الجريمة، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبياً على مكافحتها على المستوى الدولي، لاسيما مع تعدد آلياتها، وتعقد المراحل التي تمر بها والتي يمكن إجمالها في ثلاث مراحل أساسية حددها خبراء فريق العمل المكلف بالمهام المالية الدولية في التالي:
* مرحلة الإيداع أو التوظيف.
* مرحلة التقييم والتقوية.
* مرحلة التكامل أو الدمج.
هذا وتمثل ظاهرة غسيل الأموال 8% من إجمالي التجارة العالمية حسب تقديرات الأمم المتحدة، كما أنها تؤدى إلى إعادة إنتاج جرائم الاتجار في الأسلحة البيولوجية والكيماوية، ودفن النفايات الذرية في البلدان الفقيرة، وتجارة الرقيق الأبيض والأعضاء البشرية والأطفال، وتزييف النقود، وهو ما تعكسه تقديراتها التي تصل حسب بعض الدراسات إلى ما يزيد على تريليون دولار أمريكي سنوياً.
أما أهم الجهود الدولية التي بذلت لاحتواء الظاهرة بالإضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة التي وقعت في فيينا والمشار إليها عالياً، فإنه يمكن الإشارة إلى اتفاقية مجلس التعاون الأوروبي التي وقعت في ستراسبورج وانصبت على مكافحة غسيل الأموال بعد توسيع نطاقه ليطال كافة الأموال المكتسبة من مصادر غير مشروعة وذلك في عام 1990، كما تجدر الإشارة إلى بعض الإعلانات الدولية والتوصيات في إطار برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هذا بخلاف جهود لجنة العمل الاقتصادية التي شكلتها الدول الصناعية السبع الكبرى.
وفي أعقاب صدور قرار مجلس الأمن رقم 1373 في عام 2001 الذي يرمى إلى تجفيف المصادر المالية للإرهاب، شرع العديد من الدول في استصدار قوانين وإجراءات لحظر غسيل الأموال.

23- الأقلية: Minority
يتنازع تعريف مفهوم الأقلية اتجاهان أساسيان، أحدهما يركز على قلة العدد بمعنى وجود جماعة ثقافية تختلف عن المجموع في اللغة أو الدين أو العرق أو الطائفة وتمثل نسبة محدودة من السكان. والآخر يهتم بتعرض الجماعة للتمييز السياسي أو الاقتصادي الاجتماعي أو الثقافي ضدها من جراء اختلافها، ويعتبر أن التمييز شرط تكوين الوعي بالانتماء للأقلية. فمثلا تعرف موسوعة "لاروس" الأقلية تعريفاً سالباً بقولها "ألا يكون البعض لهم إلا القليل من الأصوات" وذلك في خلط للمفهوم مع ما يعرف بشكل أدق بالمعارضة السياسية مقابل الأغلبية السياسية. بينما تعرف اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان التابعة للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، الأقليات بأنها "جماعات تابعة داخل شعب ما تتمتع بتقاليد وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان، فترغب في دوام المحافظة عليها".
وقد واجه المعيار الكمى الذي يربط بين مفهوم الأقلية والمحتوى العددي انتقادات عدة، أبرزها أنه يركز على قيمة العدد في التفاعلات المجتمعية ويسقط أهمية العوامل التنظيمية والقيادية وغيرها خاصة في المجتمعات التي لا تتمتع بوجود أغلبية واضحة (المجتمع اللبناني نموذجاً). كما أن المعيار الكمي هو انعكاس لربط مفهوم الأقلية بالواقع الأمريكى حيث استخدم للدلالة على الجماعات التي تختلف في خصائصها عن الأغلبية البيضاء الأنجلوساكسونية مما يحد من نطاق انتشار المفهوم، هذا إلى الطبيعة الاستاتيكية الجامدة لهذا المعيار التي لا تأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في علاقات القوة بين الجماعات المختلفة. إزاء هذا النقد الموجه للمعيار الكمي فضل بعض المحللين استخدام المعيار الحركي الذي يعرف الأقلية من واقع علاقتها بالسلطة بحيث إذا تعرضت جماعة ثقافية معينة للاضطهاد والتهميش، كأن تحجب عنها مناصب معينة رغم توفر الأكفاء من أبنائها، أو يحال بينها وبين تعلم لغتها الأصلية، أو يبوء إقليمها بنصيب غير عادل من الاستثمارات الحكومية ...الخ، فإن هذا يؤدى إلى تعزيز الشعور بالتضامن بين أعضائها مقابل شعورها بالاختلاف عن محيطها وربما الاغتراب عنه.
بهذا المعنى فإن مفهوم الأقلية ينطوي على الأبعاد الرئيسية الآتية:
أ- إن الأقلية في الأساس هي ظاهرة ثقافية، فقد يشترك أعضاؤها في واحد أو أكثر من مقومات التاريخ واللغة والدين والعرق، فنكون بصدد أقلية لغوية أو دينية أو عرقية وقد يشتركون في هذه العوامل كلها فنكون إزاء أقلية متعددة المقومات، وفي كلتا الحالتين تنعكس تلك الخصوصية الثقافية في أطر تنظيمية وأنماط متمايزة للتفاعلات الداخلية.
ب- إن الأقلية يجب أن تكون واعية تماماً بتلك المقومات المشتركة التي تحقق لها التضامن الداخلي والتمايز في التعامل الخارجي، وذلك أن الأقلية هي نتاج عمليتين متكاملتين، الأولى هي استقطاب كل من يشترك معها في تلك المقومات، والثانية هي استبعاد كل من يختلف معها فيها، ولهذا تعد الأقلية كالعملة ذات الوجهين: أحدهما الشعور بالانتماء، والآخر هو الشعور بالتمايز.
ج- إن الأقلية عادة ما تُكَوِّن هذا الوعي نتيجة المعاملة المتحيزة التي تلقاها بواسطة الجماعة المسيطرة وهي ليست بالضرورة الأكثر عدداً، فقد تكون عكس ذلك، ويطلق البعض على مثل هذه الجماعة التي تجمع بين قلة العدد وبين الفعالية السياسية تعبير الأقلية الاستراتيجية (المجتمع السوري نموذجاً).
د- إن الانتماء للأقلية ليس جامداً وإنما هو متغير تحركه المصلحة حيث لا يمكن فصل أي من عناصر الاختلاف الثقافية أو الطبيعية للجماعة الفرعية عن طبيعة الواقع السياسي الذي تعيش فيه.
هـ- إن الأقلية هي جزء مما يعرف باسم الجماعات المهمشة وهي الجماعات التي لا تحظى بمعاملة متساوية لأسباب متعددة. ونتيجة هذا التعدد فإن مفهوم الجماعة المهمشة يعد أكثر اتساعاً من مفهوم الأقلية، فهو يشمل بين ما يشمل النازحين من الريف إلى الحضر والذين يطوقون المدن الرئيسية بأحزمة الفقر ويعمرون أحياءها السكنية العشوائية. كما أنه يشمل بعض الذين يعانون من بعض إعاقات جسدية أو ذهنية. إضافة إلى شموله المرأة في بعض المجتمعات.
ولما كانت ظاهرة الأقليات تمثل ملمحاً من ملامح الدولة الحديثة إلى حد اعتبار كيث هيندل في عام 1992 أن هناك أقل من 10% من دول العالم تتمتع بالتجانس الثقافي. وأهم من ذلك أنه لما كانت هذه الظاهرة هي السبب المباشر في اندلاع الصراعات الداخلية إلى حد توصل معه رودلفوستافنهاجن إلى أنه منذ نهاية الثمانينيات وحتى عام 1991 استأثرت مشاكل الأقليات بـ 36 صراعاً من إجمالي 111 صراعاً داخلياً على مستوى العالم. تقدم الأمين العام السابق للأمم المتحدة د. بطرس بطرس غالى في 17/6/1992 بأجندة للسلام تستهدف احتواء الصراعات التي تهدد السلم والأمن الدوليين وفي طليعتها "العصيان الإثني، أو الديني، أو الاجتماعي، أو الثقافي، أو اللغوي"، كما تستهدف حفظ السلام، وبناء السلام بعد الصراع. وبذلك دخلت أجندة السلام في صميم الجدل الذي دار منذ انتهاء الحرب الباردة، وانصب على آلية التدخل الدولي الإنساني ومدى مشروعيتها في حالات انتهاكات حقوق الإنسان بما فيها حقوق الأقليات، على أساس أن أحد التدابير المقترحة في إطارها هو التدخل العسكري الجماعي لفصل القوات المتحاربة ونزع سلاحها.

الجماعة الإثنية:
ظهر هذا المفهوم في الأساس للتحايل على الدلالات اللغوية المباشرة لمفهوم الأقلية التي تشير إلى القلة العددية، وكذلك على ميراثه التاريخي الذي يشير ولو بطريقة لا شعورية في التراث الغربي إلى مفهوم التعصب العنصري بمعنى إعلاء شأن من يمثل الأصل القومي والتمييز ضد من لا يمثله والتشكيك من ثم في صدق انتمائه.
ومنذ استخدام مفهوم الجماعة الإثنية لأول مرة في عام 1909، فإنه صار أحد أكثر المفاهيم خلافية حيث تردد مضمونه بين التعبير عن جماعة فرعية أو أقلية، والتعبير عن جماعة أساسية أو أمة أو الجمع بين المعنيين باعتبار أن من الشعوب من يملك كل خصائص الأمة ومقوماتها وإن لم تكن له دولته المستقلة، فالجماعات الفرعية الأيرلندية واليونانية والإيطالية في المجتمع الأمريكي على سبيل المثال ليست في حقيقتها إلا أمما بذاتها وإن لم يعترف المجتمع لها بحقها في التمايز عنه من منطلق استيعابه لمختلف الأقليات وصهرهم في بوتقته. لذلك فإن مفهوم الجماعات الإثنية لم يقدر له الذيوع المرجو، خصوصا مع التضارب في تحديد نطاقه الذي قد يتسع ليشمل كل أشكال التمايز لتعبر بذلك الجماعة الإثنية عن خط متواصل يبدأ بالقبيلة وينتهي بالأمة، كما أنه قد يضيق ليقتصر على التمايز العرقي دون سواه. وهنا قد يقع نوع من الفصل التعسفي بين مفهوم الجماعة العرقية Ethnic Group بمعنى تلك الجماعة التي تتميز بمجموعة من التقاليد الثقافية والاجتماعية الخاصة بها، ومفهوم الجماعة العنصرية Racial Group بمعنى تلك الجماعة التي تتمتع بمجموعة من الخصائص البيولوجية، وذلك على الرغم من أنه في صحيح اللغة العربية ليس ثمة فارق يذكر بين مفهومى العرق والعنصر فكلاهما يشير إلى الأصل، علاوة على أنه في ظل امتزاج الدماء واختلاط العروق يصعب الحديث عن جماعة عرقية نقية.

24- المجتمع المدني: Civil Society
تتفق الأدبيات على أن مفهوم المجتمع المدني مفهوم غربي النشأة. وتعود هذه الأدبيات بجذور المفهوم إلى عصر التنوير مع بروز أفكار "الحق الطبيعي" و"العقد الاجتماعي"، حيث يستحضر مفهوم المجتمع المدني إلى الأذهان فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر الأوروبيين مثل هوبز ولوك وروسو الذين رسموا الصورة التعاقدية للمواطنة. وقد صيغت عبارة المجتمع المدني في كتاباتهم للتمييز بين مجتمع مدني يحكمه القانون العام، وحالة الطبيعة المفترضة حيث كانت العواطف والاحتياجات هي التي توجه الأفراد ،لذا كان المجتمع المدني في تصورهم ينفصل عن المجتمع الطبيعي، مؤسسا بذلك هيئة سياسية يتم فيها التصالح النسبي بين الحرية والعقل.
و"المجتمع المدني" مفهوم مركب ، نصفه الأول (المجتمع) ينعقد الاتفاق من حوله، بينما يثير نصفه الثاني (المدني) جدلا شديدا حيث إن "المدنية" كمفهوم يكتنفه الغموض، وتتعدد معانيه وتختلط دلالاته، فالمدني نقيض الديني والعسكري.
ولما كان المفهوم يشير إلى توصيف العلاقة بين المجتمع المدني والدولة،فلقد تباينت محاولات تنظير تلك العلاقة، حيث ذهب منظرو العقد الاجتماعي إلى انفصال المجتمع المدني عن الدولة ، بينما ذهب الفيلسوف الألماني هيجل إلى القول بعلاقة التكامل بينهما لعدم قدرة المجتمع المدني على العمل بفاعلية في غياب دولة تقوم بتقسيم العمل وتوزيع الوظائف. والتقط كارل ماركس فكرة هيجل هذه وقام بتطويرها بنظريته عن الدولة كمرحلة وسيطة ينتهي معها المجتمع المدني، والمجتمع البرجوازى.
ومع بدايات القرن العشرين، اكتسب مفهوم المجتمع المدني بعدا حركيا على يد اليساري الإيطالي انطونيو غرامشى من خلال التفريق بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وتصوره حول "المثقف العضوى" وضرورة فرض "هيمنة المجتمع المدني في مقابل "سيطرة " المجتمع السياسي، واعتباره من تلك الزاوية المجتمع المدني بنقاباته وأحزابه وحتى الفاتيكان مجالا للصراع الطبقي بهدف تحقيق الاشتراكية بإنهاء سيطرة الدولة (المجتمع السياسي).
ولذا فإن فاعلية المجتمع المدني تختلف باختلاف الأنظمة السياسية التي يعمل في إطارها،حيث يبرز هذا الدور بفاعلية في النظم الديمقراطية الغربية في ظل وجود مؤسسات متبلورة، ويضطلع ببعض وظائف السلطة التي لا تستطيع أداءها بحكم تعقد الحياة المعاصرة وتزايد الأعباء الاقتصادية. أما في أوروبا الشرقية فلقد طرح المجتمع المدني نفسه في مواجهة السلطة بقصد إنهاء الأنظمة الشيوعية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك في إطار الحركات الاجتماعية التي تعمل تحت شعار "مجتمع مدني أكثر دولة أقل"، وكان من أبرز رموز هذا التيار نقابة التضامن البولندية.
ومع التطور الثقافي والاتصالي كأحد أبرز مظاهر العولمة، ورواج مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وانتقالها من نطاق العالم الأول إلى ما كان يعرف باسم العالمين الثاني والثالث، بدأ الحديث عن عولمة المجتمع المدني في إشارة إلى وجود مجموعة من القيم والممارسات المشتركة ذات الصلة. ويمكن اعتبار التحالف العالمي الذي نشأ بهدف دعم المجتمع المدني في العالم والذي اتخذ إطارا له شبكة سيفيكس كشبكة مدنية عالمية تكونت في أبريل عام 1991 نموذجا على هذا النوع من الجهود. يذكر أن الدعوة لتكوين هذه الشبكة كانت قد صدرت عن منظمتين أمريكيتين هما القطاع المستقل ومجلس المؤسسات بالتعاون مع المركز الأوروبي للمؤسسات المدنية، ووجهت إلى المنظمات غير الهادفة للربح في شتى أنحاء العالم. وتم تشكيل لجنة تنظيمية لمتابعة العملية في عام 1992، وأعلن في برشلونة عن قيام التحالف المذكور وذلك في عام 1993.
وفيما يخص بعض التفسيرات الإسلامية لمفهوم المجتمع المدني فإنها تتعامل معه من منطلق أنه دخيل أفرزته البيئة الثقافية الغربية، على حين تذهب تفسيرات أخرى إلى أن المجتمع المدني إنما يجد جذوره في مجتمع المدينة في عهد النبوة، كما يجد في نص صحيفة المدينة التي آخت بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى دستوره.
ويستخدم مفهوم المجتمع الأهلي كمرادف للمجتمع المدني في بعض الأحيان، إلا أن ثمة اختلافاً قائماً إذ يشير المفهوم الأول إلى نمط من العلاقات الأولية تنجم عنها ترتيبات جامدة، وذلك على عكس مفهوم المجتمع المدني الذي يستند إلى المواطنة وتتحدد الأوضـاع الاجتماعية فيه وفق معياري الإنجاز والمهارة في هذا الإنجاز.

25- الانتخاب: Election
الانتخاب هو التصويت لصالح أحد المرشحين في الانتخابات بمستوياتها المتعددة: الرئاسية – البرلمانية – المحلية. ويرتبط الحديث عن الانتخاب بإثارة عدة نقاط، إحداها تخص هيئة الناخبين أي بمن له الحق في التصويت، والقاعدة أن كل بالغ عاقل يتمتع بهذا الحق، إلا أنه من الناحية الفعلية ترد علية عدة قيود تتعلق بالجنسية والنوع والأصل العرقي والإقامة والتعليم والملكية، مع اختلاف في حجم هذه القيود بحسب نظام الحكم القائم في الدولة. النقطة الثانية تتعلق بالدوائر الانتخابية التي يتم تقسيم الدولة لها، إذ عادةً ما يجرى التقسيم على أسس متنوعة منها الحدود الإدارية، وعدد السكان، والتكوين المهني، أو الوظيفي. النقطة الثالثة وهي الأهم ترتبط بنظم الانتخاب، فالانتخاب قد يكون مباشراً على درجة واحدة أو غير مباشر على درجتين، وقد يكون فردياً أو بالقائمة، وقد يتم وفق نظام الأغلبية أو وفق نظام التمثيل النسبي، أما النقطة الرابعة والأخيرة فإنها هي الخاصة بإدارة الانتخاب، وتعد الإدارة الكفء أو النزيهة هي التي تسمح للناخب بالإدلاء بصوته دون مضايقات بما يقتضيه ذلك من حسن اختيار مقار اللجان وتيسير إجراءات التسجيل وكفالة الإشراف القضائي على مختلف مراحل العملية الانتخابية أو إحداها.

الاستفتاء
الاستفتاء يعنـى إحالـة القوانين التي نوقشت بالبرلمان وكذلك التعديلات الدستورية التي أقرها هذا الأخير فضلاً عن القضايا العامة ذات الأهمية إلى المواطنين لاستطلاع رأيهم فيها.
وعلى الرغم من أن الاستفتاء يعد نظرياً الوسيلة المثلى لإعمال السيادة الشعبية من خلال الاحتكام المباشر للرأي العام، إلا أنه يرد عليه تحفظان أساسيان أحدهما خاص بتأثيره على أضعاف وضع البرلمان في إطار النظام السياسي من خلال رد تشريعاته وتعديلاته للمواطنين لإبداء الرأي فيها، والآخر خاص بنقص المعلومات ذات الصلة بالموضوعات محل الاستفتاء لدى المواطنين مما يشكك في القدرة على استقصاء مختلف جوانبها.
التصعيد
التصعيد أسلوب مباشر يتم بمقتضاه اختيار أعضاء في التنظيمات السياسية المختلفة، وهو الأسلوب الذي تأخذ به ليبيا في تشكيل اللجان والمؤتمرات الشعبية.
ويختلف التصعيد عن التعيين كونه اختيار حر من الجماهير، بينما التعيين قرار حكومي أو إداري لوضع أشخاص في مناصب محددة. كما يختلف أسلوب التصعيد عن الانتخاب – وفق الفلسفة والرؤية الليبية – إذ يتم التصعيد مباشرة في حضور العضو المصعد والجماهير دون وجود صناديق اقتراع أو بطاقات انتخاب ليصبح بعدها العضو المصعد مكلفاً تكليفاً مباشراً بتنفيذ مهام محددة في مدة محددة وتحت رقابة معينة من المؤتمرات الشعبية، أى أن التصعيد لا يلغى دور الشعب وسلطته بل يؤكدها.

ثالثا:المصطلحات القانونية المتداخلة
26- الاتهــام: Accuse
هو تحميل أحد الأشخاص مسئولية ارتكاب جريمة معينة، بعد توفر أدلة أو قرائن قوية كافية لتوجيه الاتهام إليه وتحريك الدعوى الجنائية ضده. وفي العادة فإن الاتهام يكون علاقة، ينشأ بمقتضاها حق الدولة في معاقبة الجاني، ذلك في مقابل التزام الأخيرة بتنفيذ العقوبة. ويشتمل مصطلح الاتهام على التكييف القانوني للوقائع التي تشكل أساس الاتهام. والشكوك التي تحوم حول شخص ما، والاعتقاد بأن له ضلع في ارتكاب جريمة معينة. بهذا المعنى فإن مكمن الفرق بين الاتهام والاشتباه، هو في قوة الأدلة الخاصة بفعل الجريمة، فكلما كانت الأدلة قوية وكافية كان هذا داعماً لتوجيه الاتهام للشخص فإن لم تكن كذلك ظل هذا الشخص موضع الاشتباه وليس الاتهام.
التلبس
هو اكتشاف الجريمة حال ارتكابها أي أثناء مباشرة الفعل ذاته أو مباشرة أحد أركانه. ومؤدى هذا أن التلبس صفة لصيقة بالجريمة نفسها لا بالمتهم أو بالمتهمين.
فالتلبس حالة واقعية تعبر عنها مجموعة من المظاهر الخارجية التي تدل على أن الجريمة تقع أو تكون بالكاد قد وقعت وذلك بصرف النظر عما ينتهي إليه التحقيق فيها.
وعلى سبيل المثال فإن إمساك الشخص بأدوات تعاطي المخدرات وانبعاث الرائحة منها يعتبر مظهراً من المظاهر الخارجية المشار إليها، بحيث إذا ثبت لاحقاً من خلال فحص العينة أن بها مخدراً، فإن الشخص يقدم إلى المحكمة بتهمة حيازة المخدر.

1- الترصد:
هو تربص الجاني للظفر بالمجني عليه ومباغتته في مكان وزمان يحدده هو لارتكاب الفعل المادي المكون للجريمة. وهناك فارق بين الترصد وسبق الإصرار فالترصد ظرف عيني يتعلق بكيفية تنفيذ الجريمة ولا شأن له بالقصد الجنائي، أما سبق الإصرار فإنه ظرف شخصي يتعلق بالقصد الجنائي ولا شأن له بكيفية تنفيذ الجريمة. ومؤدى ذلك وجود اختلاف بين المصطلحين، سواء من حيث الطبيعة القانونية، أو من حيث أركان الجريمة، وبالتالي من حيث النتائج القانونية المترتبة على كل منهما.

27- الاحتجاز: Detention
يستخدم مصطلح الاحتجاز عندما يجرد المرء من حريته لسبب لا يتصل بصدور حكم قضائي بإدانته سواء قبل المحاكمة أو أثناءها، ويختلف ذلك عن السجن الذي يجرد المرء بمقتضاه من حريته بعد صدور حكم قضائي بإدانته ومعاقبته بعقوبة محددة.
الحبس:
يستخدم مصطلح الحبس بمعنى سلب حرية المتهم مدة من الزمن تحددها مقتضيات التحقيق وفق ضوابط يقررها القانون.وقد يكون الحبس حبساً احتياطياً ،وهو إجراء يصدر عن سلطة التحقيق بعد استجواب المتهم الماثل أمامها، ويتضمن أيضاً سلب حرية المتهم مدة محددة من الزمن قابلة للمد والتجديد. وغاية هذا الإجراء ضمان سلامة التحقيق الابتدائي من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتيسير استجوابه أو مواجهته كلما استدعى التحقيق ذلك، دون تمكينه من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو المجني عليه، وكذلك وقاية المتهم من احتمالات الانتقام منه، إضافة إلى تهدئة الشعور العام الذي قد يثور في نوعية معينة من الجرائم.
التوقيف:
هو إجراء تقوم به السلطة العامة على سبيل التحري عن الجرائم، وهو مباح إذا ما وضع الشخص نفسه في موضع الشك بما يستلزم التدخل للكشف عن حقيقة أمره. أي أنه إجراء مؤقت أو احتياطي، بحيث إذا زال مبرر التوقيف فإنه يبطل كما يبطل كل إجراء يكون قد ترتب عليه. أمـا القبض فإنه يعني تجريد الفرد من حريته على يد السلطة العامة بغرض اقتياده إلى الحجز، ووضعه تحت تصرف سلطة التحقيق حتى تتضح مدى الحاجة لحبسه احتياطياً أو الإفراج عنه.
الاعتقال:
هو سلب مؤقت للحرية تجريه سلطة إدارية دون أمر صادر من السلطة القضائية المختصة بحيث يتم التحفظ علي الشخص، ويمنع من الانتقال، كما يحظر عليه الاتصال بغيره، أو مباشرة أي عمل إلا في الحدود التي تسمح بها السلطة وذلك بهدف حماية " أمن المجتمع".
ويعد الاعتقال من التدابير التي يمكن للسلطة اتخاذها في ظل سريان قانون الطوارئ، ويترتب عليه حرمان الفرد من بعض حقوقه الأساسية ومنها حقه في الحرية الشخصية وحرية التنقل والإقامة. ويختلف الاعتقال عن الحبس في أن الثاني سببه اتهام جنائي محدد يصدر عن سلطة التحقيق ويستوجب توفر أدلة كافية، بينما الاعتقال قرار إداري يصدر على سبيل الاحتراز لمجرد الاشتباه في الشخص ودون توفر أدلة مادية بالضرورة.

28- الحرمان من الجنسية: Denationalization
يشير مفهوم الجنسية إلى تلك الرابطة (السياسية والقانونية) التي تقوم بين الفرد والدولة وما يترتب عليها من حقوق والتزامات. ومصطلح جنسية ترجمة للكلمة الفرنسية Nationalité التي تعني الانتساب إلى أمة Nation، علماً بأن الأخيرة مشتقة بدورها من الكلمة اللاتينية Natio ومعناها المنحدرون من جنس واحد في مقابل كلمة Populus أي عموم سكان البلاد. وهكذا فإن الحرمان من الجنسية يشير إلى انتفاء وجود رابطة قانونية وسياسية تربط الفرد بدولة ما، وهو ما اصطلح على تسميته بــ"عديمي الجنسية أو" البدون". وإذا كان الحرمان الابتدائي من الجنسية يؤسس لوضع دائم، فإن إسقاط الجنسية يشير إلى جزاء عقابي توقعه الدولة على شخص يتمتع بجنسيتها بالفعل لكونه قد أخل بواجباته نحوها وفقاً لقوانينها. والإسقاط قد لا يكون دائماً حيث يمكن حال تغير الظروف أن يسترد المواطن جنسيته دونما حاجة لاستيفاء شروط التجنس وإجراءاته. كما يختلف مصطلح الحرمان من الجنسية عن مصطلح سحب الجنسية حيث يشير الأخير إلى رجوع دولة ما عن إكساب الأجنبي جنسيتها لسبب من الأسباب التي حددها القانون، وإن كان بعض الشراح من الفقهاء يضم "السحب والإسقاط" في اصطلاح جامع هو "التجريد من الجنسية".
التنازل عن الجنسية:
التنازل عن الجنسية أمر مرهون بإرادة الفرد " الضمنية أو الصريحة"،فقد يكون التنازل عن الجنسية صريحاً وهو ما تجيزه بعض الدول مثل المملكة المتحدة واليابان شريطة أن يحمل الفرد جنسية دولة أخرى. والأصل أنه لا يلزم اتخاذ الدولة إجراءات محددة لتحقيق التنازل عن الجنسية، وإن كانت بعض القوانين (مثل القانون السويسري للجنسية عام 1952) توجب اتخاذ مثل هذه الإجراءات. وقد يكون التنازل عن الجنسية ضمنياً إذاً هاجر الفرد وتجرد من الرابطة الروحية التي تربطه بالجماعة الوطنية. وهناك من يرى أن التنازل عن الجنسية لا يتحقق بإرادة الفرد وحده بل بإرادته مضافاً إليها إرادة الدولة التي يريد التنازل عن جنسيتها. وتصدر إرادة الدولة في صورة إذن للفرد بالتنازل عن جنسيتها أو الإذن له باكتساب جنسية أجنبية في إشارة إلى موافقتها على الخروج من جنسيتها، وغالباً ما توجب الدولة حصول الفرد على الإذن مقدما قبل أن يدخل في الجنسية الأجنبية.
تنازع الجنسيات:
تتعدد المصطلحات التي تعبر عن تنازع الجنسيات من قبيل "تعدد الجنسيات" و"ازدواجية الجنسية"، و"تراكم الجنسيات".
ويدمج الفقهاء – أحياناً – تعدد الجنسيات من جهة وانعدام الجنسية من جهة أخرى تحت مصطلح واحد هو " تنازع الجنسيات"، أو بعبارة أخرى تنازع القوانين فيما يتعلق بتنظيم الجنسية. غير أن أغلبية الفقهاء بقدر ما يقرون بسلامة مصطلح " تنازع الجنسيات" في حالة ازدواجية الجنسية الناجمة عن أن الفرد قد يجد نفسه منذ ميلاده أو في وقت لاحق عليه متمتعاً بأكثر من جنسية وفقاً لقوانين دولتين أو أكثر، فإنهم يعترضون في الوقت نفسه علي إطلاق المصطلح علي حالة انعدام الجنسية حيث تنكر قوانين جميع الدول تبعية الفرد لها.

29- الحق في مخاطبة السلطات:The Right to Contact the Authorities
يعتبر الحق في مخاطبة السلطات من حقوق الإنسان الطبيعية، وهو يتقدم سائر الحقوق المتعلقة بالدعوى الجنائية، وذلك كون الأفراد يحتاجون الاتصال بالسلطات لأنها تؤمنهم على ذواتهم وممتلكاتهم.
ويتفرع عن هذا الحق، حق الفرد في تبليغ السلطات بما يهمه مباشرةً من أمور من قبيل الاعتداء الذي قد يكون وقع عليه أو على غيره، أو ما يمس مصلحة غيره ويمكن أن يؤثر على مصالحه، هذا خلاف الأمور العامة من قبيل إنباء السلطات العامة عن تقصير بعض عمالها وفسادهم، أو محاولة إفسادهم، أو وقوع خلل في النظام أو نقص في القانون.
وحق التبليغ في إطار القانون – كما يراه البعض – حق يتكامل مع حق الأفراد والجماعات في الوصول إلى المعلومات والحصول عليها كدعامة أساسية من دعامات الشفافية التي تسهل إعمال المساءلة، وتدعم الحكم الرشيد حيث يمكن للفرد من خلال اتصاله بالسلطات العامة معاونتها لمنع وقوع الجريمة، أو تعقب مرتكبيها في مرحلة لاحقة وتقديمهم للعدالة. بل إن بعض القوانين والدساتير يعتبر حق التبليغ من الحقوق التي لا يمكن تقييدها حتى في ظل الأحكام العرفية أو عند إعلان حالة الطوارئ وذلك لأهميته في تحقيق السلم الاجتماعي والوقوف على بعض أوجه القصور في تسيير المرافق العامة. ويستدعى التعامل مع التبليغ كحق الإشارة إلى نقطتين أساسيتين:
* إن كل من علم بوقوع جريمة أو بتدبيرها له أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي. فإذا كانت الجريمة من النوع الذي يستدعى رفع شكوى أو تقديم طلب عند تحريك الدعوى الجنائية، يكون حق التبليغ مقصوراً على صاحب الحق في التقدم بالشكوى أو الطلب.
* إن ممارسة حق التبليغ رخصة تتوقف على إرادة صاحبها ومشيئته، فإن هو استخدامها فلا غبار عليه، وإن تركها فلا مسئولية يتحملها، وبهذا المعنى فإن التعامل مع التبليغ كحق يبيح لصاحبه حجب المعلومات عن السلطات العامة.
وتقود النقطة الأخيرة إلى الحديث عن التبليغ كواجب حيث ترتقي وجوبية التبليغ إلى مستوى أن الامتناع عن ممارسته وإخفاء المعلومات عن السلطات العامة يعتبر جريمة مستقلة بذاتها. وفي هذا السياق، حرص العديد من القوانين والتشريعات علي جعل التبليغ واجباً، ومن ذلك إلزام كل من علم بما يهدد الأمن العام أو المال العام بإبلاغ السلطات العامة أو المختصة بشأن هذا التهديد.

30- المحاكمة العادلة: Fair Trial
ينصرف مدلول المحاكمة العادلة إلى مجموعة من القواعد والإجراءات التي تدار بها الخصومة الجنائية في إطار من حماية الحرية الشخصية وحقوق الإنسان والتي تكون في مجموعها أساساً أولياً لإقامة العدالة وسيادة القانون.
ويغطى مصطلح المحاكمة العادلة، حق الفرد في مرحلة ما قبل المحاكمة وفي أثنائها وفي أعقابها، ويفترض عدم الإخلال به حتي في حالات الصرع المسلح وحالات الطوارئ.
والحق في المحاكمة العادلة من المبادئ المستقرة في الضمير الإنساني بحيث لا يخلو نص في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من التأكيد عليه،كما تنص عليه أغلب الدساتير والتشريعات الوطنية. فعلى الصعيد الدولي حرصت المواد 7 و 8 و10 و11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على تأكيد هذا الحق وكفالة متطلباته، فبينما نصت صراحة المادة 8 من الإعلان على وجوب كفالة هذا الحق، أقرت المواد 7 و10 و11 هذا الحق "ضمنياً" حيث عنيت أساسا بتحديد مستلزماته ممثلة في مبادئ : المساواة أمام القانون، واعتبار المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته قانوناً، والأثر الفوري للقانون، وعدم تطبيق القوانين بأثر رجعي، وحق المتهم في المثول أمام المحكمة المختصة، واستقلال السلطة القضائية..الخ
كما اشتملت المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على الضمانات الأساسية التي تشكل متطلبات ضرورية لضمان الحق في المحاكمة العادلة، هذه الضمانات التي تتمثل في عدد كبير من المبادئ، منها:
* اعتبار الفرد بريئاً إلى أن تثبت إدانته.
* حق الفرد في أن يحاكم أمام محكمة مختصة وحيادية ونزيهة ومنشأة بحكم القانون.
* المساواة أمام القضاء والقانون.
* الحق في الدفاع.
* حق الطعن أمام محكمة أعلى.
* حق المتهم في محاكمة سريعة دون تأخير لا مبرر له.
* علانية المحاكمة.
* أن تكون المحاكمة بلغة يفهمها المتهم أو يزود مجاناً بمترجم ما لم يمكن يفهمها.
* عدم إكراه المتهم على الشهادة ضد نفسه.
المحاكمة القانونية:
تعد المحاكمة القانونية من الشروط الأساسية للمحاكمة العادلة، حيث تستوجب تشكيل المحكمة التي ستضطلع بمسئولية نظر القضية والفصل فيها تشكيلاً قانونياً وتمتعها بالاستقلالية والنزاهة والحيدة. فالضمان الأساسي للمحاكمة العادلة آلا تصدر الأحكام عن مؤسسات سياسية، بل بواسطة محاكم مختصة مستقلة ومحايدة ومشكلة وفق القانون. وقد أكد العديد من الوثائق الدولية مبدأ المحاكمة القانونية كأساس للمحاكمة العادلة، ومن ذلك المادة (10) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن " لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة نظرا منصفا وعلنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جنائية توجه إليه. وكذلك المادة (14/1) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بنصها على أن "الناس جميعا سواء أمام القضاء، ومن حق كل فرد لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه، أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مستقلة حيادية تنشأ بحكم القانون".
المحاكمة المنصفة:
تعتبر المحاكمة المنصفة بدورها من أهم معايير المحاكمة العادلة، حيث يدخل الحق في النظر المنصف في القضايا في صميم مفهوم المحاكمة العادلة.وجوهر مفهوم المحاكمة المنصفة يقوم على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين طرفي الدعوى، أي مبدأ المساواة بين الدفاع والادعاء، وأن يعاملا على قدم المساواة من الناحية الإجرائية أثناء المحاكمة. وينطوي مفهوم المحاكمة المنصفة علي حق كل فرد في المساواة أمام القانون، وأن يتمتع بحق متساو في عرض أدلته والاطلاع علي المعلومات اللازمة التي تجعل من مبدأ المحاكمة المنصفة مبدءا واقعياً.
ويكفل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق في المحاكمة المنصفة من خلال المادة (7) التي تنص على أن الناس سواء أمام القانون وفي التمتع بحمايته ضد أي انتهاك للإعلان ومضمونه، والمادة (8) التي تجعل لكل فرد الحق في اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصة لإنصافه الفعلي من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون، والمادة (10) التي تفيد أن لكل إنسان بالمساواة مع غيره الحق في نظر قضيته أمام محكمة مستقلة ومحايدة نظراً منصفاً وعلنياً، والمادة (11) التي تؤكد على اعتبار الفرد بريئاً إلى أن تثبت إدانته وعلى عدم جواز معاقبة الفرد على فعل لم يكن مجرماً حين أتاه.
ومن جانبها توضح اللجنة المعنية لحقوق الإنسان والتابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن النظر المنصف للدعوى يستدعى جملة شروط، من بينها معاملة كل من الدفاع والادعاء على قدم المساواة، واحترام مبدأ الحق في رفع دعاوى الاختصام، وسرعة التقاضي.

31 – الدستور: Constitution
لفظ دستور معرب من الفارسية وهو لفظ مركب من شقين: "دست" بمعنى قاعدة و"ور" بمعنى صاحب، فيكون المعنى الكامل للمفهوم هو صاحب القاعدة. وهو يتعلق أولاً وأخيرا بالدولة باعتبارها ذروة المؤسسات السياسية، وينصرف إلي تنظيم السلطات العامة في الدولة من حيث كيفية تكوينها، واختصاصها، وعلاقتها ببعضها البعض وبالمواطنين.
لذا يعرف الدستور بأنه القانون الأعلى في المجتمع السياسي أو مجموعة القواعد الأساسية التي يتم وفقاً لها تنظيم الدولة وممارسة الحكم فيها، وتتميز هذه القواعد الدستورية عادة بالدوام والاستقرار. والأصل في الدستور أنه يعتبر وثيقة مكتوبة يحاط إصدارها بمجموعة من الضوابط التي تضمن انعقاد الإرادة العامة والتعبير السليم عنها، من قبيل موافقة الهيئة التشريعية بأغلبية معينة على هذه الوثيقة، وعرضها على الشعب للتصويت عليها في استفتاء عام. وقد يحدث أن يكون الدستور غير مكتوب من خلال تجميع عدد من سوابق الأحكام القضائية والقواعد العرفية كما هو الحال في بريطانيا. ويفـرق الفقه الدستوري بين أمرين:
- المعنى الشكلي للدستور الذي ينصرف إلى الوثيقة الدستورية ذاتها.
- المعنى الموضوعي للدستور الذي ينصرف إلى أنه قد توجد بعض القواعد القانونية غير المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية رغم اتصالها الوثيق بتنظيم السلطات العامة وكيفية تكوينها وعلاقتها بالمواطنين، مما يجعل منها جزءاً من الدستور، وإن كان هذا المعنى هو الأقل شيوعاً.
النظام الأساسي:
يقصد بالنظام الأساسي مجموعة القواعد المتفق عليها والتي تنظم أوضاع جماعة إنسانية. وقد يستخدم المصطلح كمرادف لمصطلح الدستور بمعناه السابق تحديده، بل يرى البعض أن استعمال لفظ النظام القانوني أو النظام الأساسي أصح لغوياً من لفظ دستور، إلا أن الأخير هو الأكثر شيوعاً. ويلاحظ أن ارتباط معني الدستور في شيوعه بصنع القاعدة القانونية يبرر لجوء بعض النظم ذات الأيديولوجية الدينية إلي تفضيل مصطلح النظام الأساسي الذي وإن كان بدوره ينظم العلاقات بين السلطات، ويقنن حقوق المواطنين وواجباتهم ويحدد السياسة الخارجية للدولة، إلا أنه أقل ارتباطاً في أذهان العامة بقضية التشريع من دون الله.

32- السب: Insult
هو الشتم سواء بإطلاق اللفظ الصريح الدال عليه،أو باستعمال إيحاءات غير مباشرة بهدف الحط من قدر شخص بعينه أو تشويه سمعته، دونما استناد إلى واقعة مادية محددة. ويتداخل السب مع القذف الذي هو عبارة عن جريمة عمدية. والأصل فيه أن يكون علنياً.ولذا تتكون جريمة القذف من ركنين: ركن مادي قوامه علانية فعل الإسناد، أما الركن المعنوي فهو القصد الجنائي. والإسناد هنا تعبير عن نسبة واقعة محددة إلى شخص بذاته، ولهذا وصف القذف بأنه جريمة تعبير. والتعبير يعني الكشف عما يدور في الذهن كي يُعْلَم به الغير سواء عبر القول أو الكتابة أو الإشارة، هذا مع العلم بأن نسبة الواقعة إلى المجني عليه قد تتم على سبيل اليقين أو تكون على سبيل الشك. ووجه الشبه بين السب والقذف مبعثه أن كليهما اعتداء على شرف المجني عليه، والفارق بينهما أن القذف يتضمن إسناد الواقعة إلى الجاني، في حين لا يتضمن السب ذلك.

33- الشرطة: Police
يشير مصطلح الشرطة إلى الجهاز المناط به حفظ الأمن الداخلي. وفي المملكة المغربية ينصب هذا المصطلح على القوات العاملة في المدن والتي تشكل جهازاً يتمتع بالاستقلال عن وزارة الداخلية. أما الدرك الملكي في الدولة نفسها فيشير إلى القوات الموازية التي تعمل على مستوى القرى، علماً بأن السلطات المختصة تشركها في متابعة بعض الملفات الأمنية داخل المدن جنباً إلى جنب مع قوات الشرطة. ويستخدم مصطلح إدارة التراب الوطني للدلالة على جهاز الاستخبارات في المملكة.
وعلى صعيد آخر يستخدم المصطلح الأمن الشعبي في الجماهيرية الليبية للدلالة على نقاط خدمية محلية، يقوم التجنيد لها على أساس التطوع وليس التعيين، ويقوم بحفظ الأمن ويحقق الاستقرار في نطاق المربع الأمني المناط به العمل في إطاره، وذلك وفق برنامج تتولى المؤتمرات الشعبية تحديد عناصره.
ولا تعتمد هيكلة الأمن الشعبي المحلى على الترتيبات المستندة إلى الأقدمية المتعارف عليها، إنما يرتكز هذا الجهاز على مجموعة خاصة به من القواعد التي تحكم الترقية فيه من مستوى لآخر كما تحكم الالتحاق به ابتداء".

34- الضحية: Victim
مصطلح فضفاض يعتبره البعض توسيعاً لمصطلح المجني عليه، ويشير إلى أن المستهدف بجريمة معينة مجني عليه بصرف النظر عن العلاقة الأساسية بينه وبين الجاني وما إذا كانت مباشرة أم غير مباشرة. ووفقاً لإعلان الأمم المتحدة بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة والصادر في عام 1985، فإن ضحايا الجريمة هم الأشخاص الذين أصيبوا بضرر فردي أو جماعي، بما في ذلك الضرر البدني أو العقلي، أو المعاناة النفسية، أو الخسارة الاقتصادية، أو الحرمان بدرجة كبيرة من التمتع بحقوقهم الأساسية نتيجة الإهمال على نحو يشكل انتهاكاً للقوانين الجنائية النافذة.
ويشتمل مصطلح الضحية أيضاً على فعل الإساءة المباشرة لشخص مقصود بذاته، وكذلك الإساءة للأشخاص الذين أصيبوا بضرر من جراء التدخل لمساعدته في محنته أو لمنع الإيذاء عنه.
المتضرر:
المتضرر هو كل من أصابه أذى نتيجة الفعل المكون للجريمة، وهو أذى تربطه علاقة سببية بهذا الفعل. والأذى المشار إليه قد يكون مباشراً كما قد يكون غير مباشر. أما الأذى المباشر فإنه يتمثل في أفعال متتابعة تتجانس مع الجريمة وتتمثل فيما تحدثه من آثار لاحقة، فيما يعتبر الأذى غير المباشر هو الضرر الذي يكون ناشئا عن جرائم يرتبط بعضها ببعض وإن لم تكن متتابعة.
المجني عليه:
المجني عليه هو من يصيبه مباشرة فعل الجريمة في أي من حقوقه وحرياته الأساسية كحقه في الحياة، وفي سلامته البدنية،وفي أمنه الشخصي والأسري، وفي سرية مراسلاته، وفي حرمة مسكنه، وفي حريته في التعبير والتنقل..الخ. ولذا فإن مفهوم المجني عليه يشير إلى صاحب الحق الذي يحميه القانون ويجرم انتهاكه جراء وقوع عدوان مباشر عليه. ومصطلح المجني عليه يتقاطع بهذا المعنى مع مصطلح الضحية من جهة ومصطلح المتضرر من الجريمة من ناحية أخرى، إلا أن المجني عليه هو أول ضحايا الجريمة، وهو المتضرر الرئيسي منها.

35- التعذيب: Torture
عرفت اتفاقية التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ديسمبر في عام 1984، التعذيب بأنه أي عمل يأتيه موظف رسمي أو شخص يتصرف بصفته الرسمية، وينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسدياً كان أم عقلياً، يلحق عمداً بشخص ما بهدف الحصول من هذا الشخص أو من شخص آخر، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبة أي منهما على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه أو تخويفه بسببه. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ عن عقوبات قانونية، أو الملازم لهذه العقوبات، أو الذي يكون نتيجة عرضية لها.
ويتضح من خلال ذلك أن مفهوم التعذيب يتسم بالشمولية، من حيث إنه يتسع للألم الجسدي والعقلي والبدني، ويطول أعمال الموظفين العموميين الذين يستغلون السلطة التي يتمتعون بها لإيذاء الآخرين. كما أن مفهوم التعذيب يمتد إلى ما يسمى بــ" نموذج الضغط الجسدي المعتدل". ومن المؤسف أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تقنن بعض أشكال التعذيب من قبيل أسلوب الهز العنيف والحرمان من النوم. وقد انتقدت لجنة مناهضة التعذيب في جلسة خاصة عقدتها عام 1997 هذه الطرق الاستجوابية وحكمت بأنها تعد أنواعاً من التعذيب.
المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة:
قصد بالمعاملة اللاإنسانية أو القاسية أو المهينة كل إيذاء جسدي أو عقلي. لكن الملاحظ أن الإيذاء الذي تنطوي عليه المعاملة القاسية واللاإنسانية أو المهينة لا يختلف عن التعذيب إلا في الجسامة وليس في الطبيعة والجوهر. بل إن الإيذاء الشديد يرتقى إلى درجة التعذيب وإلا فإنه يعد لوناً من ألوان سوء استعمال السلطة، لكن الفصل بين ما هو إيذاء شديد وما هو إيذاء غير شديد يبقى مسألة تقديرية غير محسومة. ولذا تنص مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يواجهون أي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن على أنه ينبغي تفسير تعبير " المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" تفسيراً يحقق توفير أقصى قدر من الإساءة البدنية أو العقلية بما في ذلك إبقاء شخص محتجز أو مسجون في ظروف تحرمه، بصفة مؤقتة أو دائمة، من استخدام أي من حواسه الطبيعية كالبصر أو السمـع، أو تجرده من وعيه بالمكان والزمان.

36- المعاهدة: Treaty
المعاهدة قد تكون بين دولتين أو اكثر، وتتعلق بقضية أو أكثر، وتوقع أولاً من طرف ممثلي الدول المعنية، ثم تبرم رسمياً بعد ذلك بواسطة الجهات العليا المختصة في هذه الدول، وهي تعتبر بالنسبة للدول الموقعة عليها قانوناً وعقداً في آن واحد، وللمعاهدة قوة قانونية تعلو على التشريع الوطني. ومن المعاهدات ما هو مفتوح أمام جميع دول العالم للتصديق عليه، ومنها ما هو قاصر على الدول التي تنتمي إلى منظمة إقليمية معينة كما هو الحال مع معاهدة الدفاع العربي المشترك التي تقف على أعضاء جامعة الدول العربية. وتقترب الاتفاقية من هذا المعنى، فالاتفاقية عبارة عن عدة التزامات تضعها مجموعة دولية لا تلزم إلا الدول التي تخضع لها طواعية بانضمامها إليها، ولا تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ ولا تكتسب قوة إلزامية إلا بعد مصادقة عدد معين من الدول عليها، ومن قبيلها اتفاقية جنيف الخاصة بالأسرى، والاتفاقيات الخاصة بحقوق الطفل وبمكافحة جميع أشكال التمييز ضد المرأة. ولقد استخدم مصطلح العهد في الاتفاقيتين الدوليتين الخاصتين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحقوق المدنية والسياسية لإضفاء قدر من المهابة عليهما.
الإعلان :
مجموعة من المبادئ التي تنتج التزاماً أدبياً لا قانونياً، إذ لا يعد الإعلان وثيقة ملزمة قانوناً في حد ذاته، لكن الدول بقبولها به واتخاذها الإجراءات المنفذة له تضفي عليه شرعية تسمح بالاستناد إليه والاسترشاد به من أي من الوجهات القانونية أو الأخلاقية أو السياسية علي الصعيدين الدولي والمحلي، ومن قبيل ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كان ولا زال له قيمته الأدبية والأخلاقية في العالم بأسره والذي يمثل مرجعاً بالنسبة للعديد من الدساتير والقوانين الوطنية.
والإعلان يختلف بذلك عن الاتفاقية أو العهد أو الميثاق من الناحية القانونية، كما أنه غير خاضع للتصديق عليه من قبل الدولة. أما التوصية فإنها أداة للاسترشاد بها ولا تحتاج إلى التصديق عليها من قبل الدول، غير أن التوصية قد تلعب دوراً هاماً في خلق توجيهات من الصحيح أنها غير ملزمة قانونياً ولكنها تكون ملزمة أدبياً ومعنوياً.
وفي أحيان كثيرة فإن التوصية يمكن أن تصدر مواكبة لصدور الاتفاقية وتكون مكملة لها. فقد تتضمن الاتفاقية الأحكام الأساسية والمبادئ العامة، وتترك للتوصية تفصيل الأحكام وبيان سبل التنفيذ ووسائله. يذكر في هذا السياق أن منظمة العمل الدولية تصدر توصيات تساوي إعلانات حقوق الإنسان وتشترط مصادقة سلطات الدول عليها. وأخيراً فإن البروتوكول يشير إلى اتفاق يكمل ما سبقه ويتطلب مصادقة الدول عليه لإكسابه قوة الإلزام القانوني. ومثال ذلك البروتوكولات الملحقة بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

37- الإفراج : Release
هو قرار يصدر من الجهة المختصة (قضائية كانت أو إدارية) ويقضى بإخلاء سبيل المتهم لعدم كفاية الأدلة ضده دون أن يعني ذلك براءته بالضرورة، ولذلك فإنه يمكن الرجوع عنه إذا ما نشأت ظروف تدعو إلى حبس المتهم مرة أخرى. ويفضي ذلك إلى التعرض لمصطلح الإفراج المؤقت الذي يعني إخلاء سبيل المتهم المحبوس احتياطياً على ذمة التحقيق لزوال مبررات الحبس. والأصل أن يصدر قرار الإفراج، عن السلطة التي أمرت بالحبس الاحتياطي، وأن تصدر أمرها بالإفراج عن المتهم سواء بكفالة أم بدونها.والإفراج المؤقت قد يكون وجوبياً في حالات، جوازياً في حالات أخرى. يصبح الإفراج وجوبياً إذا انقضت مدة الحبس الاحتياطي دون تجديدها، وإذا تبين لسلطة التحقيق أن الواقعة المنسوبة للشخص المحبوس احتياطياً ليست من الجرائم التي يجوز فيها مد الحبس الاحتياطي، وكذلك إذا بلغت مدة الحبس الاحتياطي الحد الأقصى للعقوبة المقررة قانوناُ للجريمة التي حبس المتهم بها. ويصبح الإفراج جوازياً في غير الحالات السابقة، وهو أمر تقديري إذا رأت سلطة التحقيق زوال مبررات الحبس بشرط أن يعين المتهم محلاً له في الجهة الكائن بها مقر المحكمة، وأن يتعهد بالمثول أمام هذه السلطة كلما طلب منه ذلك، وألا يهرب من تنفيذ الحكم الذي يمكن أن يصدر ضده. ويجوز تعليق الإفراج الجوازي علي تقديم كفالة تقدر قيمتها في أمر الإفراج. والإفراج الشرطي بهذا المعنى يفيد استبدال تقييد الحرية بسلبها، ويتميز بأنه إفراج غير نهائي بمعنى أنه يمكن الرجوع عنه، لكونه معلق على شرط فاسخ هو الإخلال بالالتزامات المفروضة على الشخص.
العفــو:
العفو نوعان: عفو من العقوبة، وعفو من الجريمة. العفو من العقوبة يملكه رئيس الدولة وحده، ويتمثل في إعفاء المحكوم عليه من تنفيذ العقوبة كلها أو بعضها أو تعديل عقوبة رادعة إلى أخرى أخف منها. أما العفو من الجريمة، فهو محو صفة الجريمة عن الفعل المرتكب بحيث لا ترفع عنه دعوى أو يمحى الحكم الصادر بشأنه. والعفو من الجريمة لا يملكه رئيس الدولة بمفرده، بل يلزم لهذا النوع من العفو صدور قانون جديد حيث لا يلغى القانون إلا قانون آخر.ويتداخل مصطلح العفو مع مصطلح البراءة، وهو عبارة عن حكم يصدر بإطلاق سراح المتهم، في إشارة إلى أن اتهامه جاء على خلاف الأصل وبالتالي فإنه يبطل ويصبح كأن لم يكن.

38- القانون: Law
هو مجموعة القواعد العامة والمجردة التي تنظم سلوك الأفراد داخل المجتمع والمصحوبة بجزاء يوقع على من يخرج على مقتضاها.
وفي المملكة المغربية يتم التمييز بين كل من الظهير بمعنى القانون الصادر عن المؤسسة الملكية مما يجعله يوصف "بالظهير الشريف"، والمسطرة الجنائية أو المدنية التي تعني قانون الإجراءات الجنائية أو المدنية.

39- قانون الطوارئ: Emergency Law
هو القانون الذي يعمل به في حالات الفوضى وعدم الاستقرار السياسي من قبيل حالات التمرد والعصيان المدني والكوارث الطبيعية والنزاعات الداخلية. ويترتب على سريانه إنشاء جرائم تعرف اصطلاحاً باسم "جرائم الطوارئ" كما يؤدى إلى إنشاء أجهزة أو جهات قضائية للنظر في تلك الجرائم يطلق عليها اسم "محاكم الطوارئ".
بهذا المعنى فإن قانون الطوارئ لا يلجأ إليه إلا على سبيل الاستثناء لمواجهة ظروف محددة بحيث يفترض إيقاف العمل به فور زوالها، كما يترتب عليه تقييد بعض الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور، الأمر الذي قام بتنظيمه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في مادته الرابعة. إذ تشير المادة المذكورة إلى ما يلي:
أ- "في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسمياً، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد، أن تتخذ في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي، وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي.
ب- لا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6و7و8 (الفقرتين1و2) و11 و15 و16 و18.
ج- على أية دولة طرف في هذا العهد استخدمت حق التقييد أن تعلم الدول الأطراف الأخرى فوراً، عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة، بالأحكام التي لم تتقيد بها وبالأسباب التي دفعتها إلى ذلك. وعليها، في التاريخ الذي تنهي فيه عدم التقيد، أن تعلمها بذلك مرة أخرى وبالطريق ذاته."
يذكر في هذا الخصوص أن الأحكام المشار إليها في المادة (4) من العهد والتي لا تجوز مخالفتها، هي تلك التي تتصل بكفالة الحق في الحياة (مادة6)، وفي الحماية من التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية(مادة7)، وفي الحماية من الاسترقاق بوجوهه المختلفة وكذلك من السخرة والعمل الإلزامي (مادة8)، وفي عدم تقييد الحرية أي السجن لعدم الوفاء بالتزام تعاقدي (مادة 11)، وفي عدم الإدانة بأية جريمة لم تكن تكيف كذلك حين ارتكاب الفعل المكون لها ولا المعاقبة بعقوبة أشد من تلك السارية وقت ارتكاب الجريمة(مادة15)، وفي الاعتراف للفرد بشخصيته القانونية (مادة16). تبقى الإشارة إلى أن التشريعات الاستثنائية في الدول ذات النظام القانوني اللاتيني تعرف بقوانين حالة الطوارئ أو حالة الحصار State of Siege، بينما تعرف في الدول ذات النظام القانوني الأنجلو ساكسوني بقوانين الأحكام العرفية Martial Law، وكلاهما وان كانا يستهدفان الهدف ذاته إلا أنهما يختلفان في عدد من الخصائص

40- المهاجرون: Emigrants
لم تحظ عبارة "المهاجر" عموماً بتعريف دقيق لا في القانون الدولي ولا عبر الممارسات السياسية مما يجعل من المتعذر تبين الحالات التي يمكن فيها حماية المنتمين إلى تلك الفئة بواسطة إطار قانوني واجتماعي وسياسي محدد. يستثني من ذلك بعض التعريفات الرسمية لفئات معينة من المهاجرين مثل "العمال المهاجرين" الذين ورد تعريفهم في الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأسرهم، وفي اتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 97 ورقم 143 على التوالي. كما يوجد تعريف للاجئ في الاتفاقية والبرتوكول المتصلين بمركز اللاجئين.
ويلاحظ في هذا الصدد أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة ناقشت في دورتها رقم (56) وفي البند (14/أ) من جدول أعمالها المؤقت مسألة حقوق المهاجرين، وذلك في محاولة أولية منها لتعريف المهاجر وحقوقه يقوم على أساس من حقوق الإنسان. واستناداً إلى هذه الاعتبارات، فإن الاقتراح الذي تقدمت به لجنة حقوق الإنسان لتعريف المهاجرين يتضمن الفئات الآتية:
أ- الأشخاص خارج إقليم الدولة التي هم من رعاياها أو من مواطنيها ولا يخضعون لحمايتها القانونية، والموجودين في دول أخرى.
ب- الأشخاص الذين لا يتمتعون بالاعتراف القانوني العام الذي هو اعتراف ملازم لما تمنحه الدولة المضيفة من مركز اللاجئ أو المقيم الدائم أو الشخص المجنس أو أي مركز مماثل.
ج- الأشخاص الذين لا يتمتعون بالحماية القانونية العامة لحقوقهم الأساسية بحكم الاتفاقات الدولية.
وتشدد مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين على ضرورة التفريق بين مصطلح "اللاجئ" ومصطلح "المهاجر الاقتصادي" وهو عادة من يغادر بلده طواعية من أجل التماس حياة أفضل، وإذا اختار أن يرجع إلى وطنه فسوف يستمر في الحصول على حماية حكومته، بينما يضار اللاجئ بسبب اضطهاده أو التهديد بذلك في بلد اللجوء، وفي الوقت نفسه فإنه لا يملك العودة لوطنه بسبب عدم ملاءمة الظروف السائدة فيها.
اللاجئون:
تعرف اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1951 اللاجئ بأنه أي شخص يوجد خارج البلد الذي يحمل جنسيته، بسبب خوفه من التعرض للاضطهاد، بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية ولا يستطيع العودة إلى بلده أو لا يرغب في ذلك. ويلاحظ هنا أن مصطلح اللاجئ ينطوي على تعريف محدد جداً لا يشمل سوى الأشخاص الذين بارحوا بإرادتهم أوطانهم والتمسوا الملاذ في بلد ثان. ومن هنا، فإنه حتى عندما سعت بعض المحاولات إلى توسيع مدلول المصطلح فإنها انصبت على مبررات اللجوء دون سواها. فوفقاً للمادة2/1 من اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية للاجئين لسنة 1951، يتضمن كل شخص، لداعي العدوان الخارجي أو الاحتلال، أو السيطرة الأجنبية، أو بفعل أحداث تعكر صفو النظام العام، في جزء من بلده الأصلي أو البلد الذي يحمل جنسيته أو في كامل هذا أو ذاك يضطر إلى مغادرة مكان إقامته المعتاد بحثاً عن ملجأ في مكان آخر خارج بلده الأصلي أو بلد جنسيته.
وإذا كان مصطلح اللاجئين ينصرف إلى الأشخاص الذين عبروا الحدود الدولية لدولتهم وانتقلوا إلى بلد ثان التماساً للملاذ، فإن النازحين هم الأشخاص الذين نزحوا داخلياً لأسباب مماثلة، وبذلك يظلون خاضعين لقوانين دولتهم بحيث لا تشملهم بحمايتها اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين 1951وإن كانت المفوضية السامية للاجئين تعمل بصورة متزايدة على مساعدتهم.

المصادر
1- أحمد الرشيدي، بعض الإشكاليات النظرية لمفهوم التدخل الإنساني، قضايا حقوق الإنسان، القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان.
2- أحمد بن محمد العمرى، جريمة غسيل الأموال: نظرة دولية لجوانبها الاجتماعية والنظامية والاقتصادية، الرياض: مكتبة العبيكان، ط(1)2000.
3- أحمد فتحى سرور، الحماية الدستورية للحقوق والحريـات، القاهرة: دار الشروق، ط(2) 2001
4- أحمد فتحي سرور، الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية، القاهرة: دار النهضة العربية، طبعة معدلة، 1995.
إسماعيل صبري عبد الله، التنمية البشرية: المفهوم، القياس، الدلالة، سلسلة كراسات التنمية البشرية، القاهرة: الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية، 1994.
5- إلياس مرقص، العقل والعقلانية:.ثلاث معان ممكنة، مجلة الوحدة، عدد 26-27، 1986.
6- أليكس كالينيكوس، ما بعد الحداثة، مجلة القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة بشير السباعى، عدد 24، 1991.
7- إمام حسانين، نحو المواجهة التشريعية لغسيل الأموال، في د. سهير لطفي (مشرف)، المؤتمر السنوي الثاني للبحوث الاجتماعية 7-10 مايو/أيار 2000، القاهرة: المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية،2001.
8- أماني قنديل، المجتمع المدني العالمي، القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية – الأهرام، 2002.
9- أمل محمود، سبل تعزيز روابط المجتمع المحلى، ورقة غير منشورة، القاهرة، 2003.
10- بديعة الأشهب، الإقليمية الجديدة والتكامل الإقليمي بين الدول النامية: الوطن العربي نموذجا، سلسلة دراسات استراتيجية ومستقبلية، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 2001.
11- برتراند بادى، عالم بلا سيادة: الدولة بين المراوغة والمسئولية ط(1) 2001.
12- برهان غليون وسمير أمين، ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، دار الفكر العربي، بيروت، ط (1)، 1999.
13- برهان غليون، ضرورة ما بعد القومية: إعادة بناء الفكر الاجتماعي، مجلة المعرفة، وزارة المعارف السعودية ج، عدد 58، 2000.
14- تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2000، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، 2001.
15- جلال أمين و آخرون، العرب والعولمة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط (2)، 1998.
16- الحق في محاكمة عادلة، أعمال الندوة التي نظمها اتحاد المحامين العرب، القاهرة 6-8 ديسمبر/كانون الأول 1995.
17- الحق في محاكمة منصفة، القاهرة: مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، دراسات حقوق الإنسان 2، بدون تاريخ.
18- حقوق المجني عليه في الإجراءات الجنائية ، القاهرة: أعمال المؤتمر الثالث للجمعية المصرية، للقانون الجنائي، 12-14 مارس 1989، القاهرة، دار النهضة العربية، 1990.
19- حليم بركات، العقلانية في المجتمع الغربي، ندوة مجلة المستقبل العربي، عدد 26-27، 1986
20- دليل المحاكمات العادلة، منظمة العفو الدولية http://www.amenstyarabic.org/ftm/index.htm9 :1.2002.
21- دواس دواس، الشراكة الأوروبية المتوسطية والتعاون الإقليمي وجهة نظر عربية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بيرزيت: كلية الدراسات العليا، 2002.
22- سعيد عبد الخالق محمود، غسيل الأموال والاقتصاد الخفي، كتاب الأهرام الاقتصادي، العدد 140، 1999.
23- سلوى شعراوي جمعة، صنع السياسات البيئية في مصر، القاهرة: الجامعة الأمريكية، 1997.
24- سلوى شعراوي جمعة، ورقة عمل حول مفهوم إدارة شؤون الدولة والمجتمع: إشكاليات نظرية، المستقبل العربي، العدد 2، نوفمبر 1999.
25- السيد يسين، العولمة والطريق الثالث، القاهرة، 1999.
26- شفيقة ناصر، مؤتمر الأمم المتحدة حول الحاكمية: شهادة من واقع الخبرة العلمية، ورقة مقدمة إلى مؤتمر الجندرة وأسلوب إدارة شئون الدولة والمجتمع، القاهرة: مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة، 15-17/4/1999.
27- شكرى مامنى، مفهوم المواطنة في السياق العربي-الإسلامي، القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان، ديسمبر/كانون أول 2000 The United National and Human Rights 1945-1995, Blue Books Series, Volume VII, 1995.
28- صموئيل ب. هانتنجتون، صراع الحضارات، مجلة المنطلق، بيروت، ترجمة هنادي محمد، عدد: 106، 1994.
29- عبد الغفار رشاد، التطور السياسي والتحول الديموقراطي، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003
30- عبد الفتاح مصطفي الصيفي، حق الدولة في العقاب، بيروت: جامعة بيروت العربية، 1971.
31- عبد الوهاب المسيرى، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، القاهرة: دار الشروق، ط (1)، 2002.
32- عبد الوهاب المسيرى، النسوية: التمركز حول الأنثى،http://www.islamonlinenet .
33- عدلي خليل، القذف والسب وتحريك الدعوى الجنائية عنهما، القاهرة: دار النهضة العربية، ط(1)، 1993.
34- عز الدين فودة، القانون الدولي الخارجي، القاهرة: دار النهضة العربية، ط(10)، 1977.
35- عزام محجوب، السكان والتنمية المستديمة في المغرب العربي، مجلة بحوث اقتصادية عربية، القاهرة، 1994.
36- علاء قاعود (إعداد) حقوق الإنسان في مجال إقامة العدالة، القاهرة: المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ط(1)، 2001.
37- غابريلا رودريفيس، فئات محدودة من الجماعات والأفراد (العمال المهاجرون – حقوق الإنسان للمهاجرين)، تقرير مقدم إلى الدورة 56، وثيقة رقم E/CN.4/2002/82 (A) GE00-10034.
38- غادة موسى، الطريق الثالث: تحولات الليبرالية أم أمل الاشتراكيةhttp://www.islamonlinenet 28.2.2001.
39- غنام محمد غنام، حقوق الإنسان في السجون، الكويت: جامعة الكويت، 1994.
40- فهمى هويدى، الإسلام والديمقراطية، القاهرة: مركز القاهرة للترجمة والنشر، ط(1)، 1993.
41- كاليولى ك. كوفا، الإرهاب وحقوق الإنسان، تقرير مرحلي مقدم إلى اللجنة الفرعية لتعزيز وحماية حقوق الانسان، الدورة 53، وثيقة رقم E/CN.4/sub.2/2001/31.27 June 2001
42- كليولى ك. كوفا، الإرهاب وحقوق الإنسان، التقرير المرحلي الثاني المقدم إلى اللجنة الفرعية لتقرير وحماية حقوق الإنسان، الدورة 54، وثيقة رقم E/CN.4.sub.2/2002/35.
43- مانويل رودريفيس، تعزيز الديموقراطية وتوطيدها، ورقة عمل مقدمة إلى اللجنة الفرعية لتعزيز حقوق الإنسان، الدورة 54، وثيقة رقم GE.02-13982-030702 10 June 2002 (A)
44- محسن عوض (تحرير)، المعايير الدولية وضمانات حقوق الإنسان في الدستور والتشريعات المصرية، دراسات الحلقة النقاشية المشتركة عن حقوق الإنسان لوكلاء النيابة وضباط الشرطة، القاهرة: وزارة الخارجية المصرية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي .2002.
45- محمد السعيد إدريس، تحليل النظم الإقليمية: دراسة في أصول العلاقات الدولية الإقليمية، القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.،2002.
46- محمد السيد سعيد ، المجتمع العالمي ومناهضة الحرب http://www.islamonlinenet 21-3-3003
47- محمد زكى شافعى، التنمية الاقتصادية، القاهرة: دار النهضة العربية، الجزء الأول، 1968.
48- محمد شقير، "آليات الشرعية السياسية: "النظام السياسي المغربي كنموذج"، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الدار البيضاء، عدد 4، 1991.
49- محمد ضريف، مساهمة في تحديد مفهوم المشروعية، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الدار البيضاء، عدد 4، 1991.
50- محمد عابد الجابرى، وجهة نظر :نحو إعادة بناء قضايا الفكر الغربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط (2)،1994.
51- محمد محمد شتا، التلبس بالجريمة، الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، بدون تاريخ.
52- محمد محمود الإمام، التنمية البشرية في الوطن العربي: الواقع والمستقبل، مجلة بحوث اقتصادية عربية، القاهرة العدد: 2، 1996.
53- محمد محمود ر بيع وإسماعيل صبري مقلد (محرران)، موسوعة العلوم السياسية، الكويت: جامعة الكويت،1993/1994
54- محمد يتيم – سعيد بشار، الحركة الأصولية: عناصر نظرية في المصطلح والدولة والمنهج ومحاولة تطبيقية، مجلة آفاق، اتحاد كتاب المغرب، عدد 2/3/1993.
55- محمود أمين العالم (مشرفا)، الفكر العربي بين العولمة والحداثة وما بعد الحداثة، قضايا فكرية، القاهرة عدد: 19/20 – 1999.
56- محمود نجيب حسنى، شرح قانون العقوبات، القاهرة: دار النهضة، ط(6)، 1989.
57- مصطفي طاهر، المواجهة التشريعية لظاهرة غسيل الأموال المتحصلة من جرائم المخدرات، القاهرة: مطابع الشرطة للطاعة والنشر والتوزيع، 2002.
58- مصطفي عمر التير، ظاهرة التحديث في المجتمع العربي، محاولة لتطوير نموذج نظري، في كتاب "قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربي المعاصر"، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999.
59- مها كامل، عمليات غسيل الأموال: الإطار النظري، مجلة السياسة الدولية، عدد:146، 2001.
60- مواطنون: دعم المجتمع المدني في العالم، سيفيكوس (civicus) التحالف العالمي لمشاركة المواطنين 1994.
61- نيفين مسعد، قضايا الأقليات في ظل الليبرالية الجديدة مع المقارنة بين موقف قيادتي حركة النهضة بتونس والجبهة الإسلامية القومية بالسودان، سلسلة بحوث سياسية 106، القاهرة: جامعة القاهرة – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية: مركز البحوث والدراسات السياسية، مايو 1996.
62-هاس، على الولايات المتحدة مسؤولية ترويج الديموقراطية في العالم الإسلامي، نص خطاب هاس عن الموضوع أمام مجلس العلاقات الخارجية يوم 4/12/2002،
63-هدى محمد بدران، مفهوم الاختيارات والشعور بالأمن لدى المرأة، في محسن عوض(محرر)، حقوق الإنسان والإعلام، القاهرة: وزارة الخارجية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2003.

المحتويات
1. إدارة شئون الدولة والمجتمع
2. الأصولية
3. البيئة
4. الحكومة الإلكترونية
5. التدخل الدولي الإنساني
6. السيادة
7. الشبكات
8. صدام الحضارات
9. الطريق الثالث
10. العولمة
11. الإقليمية الجديدة
12. المواطنة
13. البرلمان
14. التنمية البشرية
15. الجندر
16. الحداثة
17. الديمقراطية
18. الإرهاب
19. المشاركة السياسية
20. الشرعية
21. العلمانية
22. غسيل الأموال
23. الأقلية
24. المجتمع المدني
25. الانتخاب
26. الاتهام
27. الاحتجاز
28. الحرمان من الجنسية
29. الحق فى مخاطبة السلطات
30. المحاكمة العادلة
31. الدستور
32. السب
33. الشرطة
34. الضحية
35. التعذيب
36. المعاهدة
37. الإفراج
38. القانون
39. قانون الطوارئ
40. المهاجرون