الدليل العربي
حقوق الإنسان والتنمية
الفهرس
تقديم
مقدمة
الفصل الأول
الفصل الثاني
الفصل الثالث
الفصل الرابع
الفصل الخامس
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الإتفاقيات الدولية
الحق في التنمية كحق من حقوق الإنسان والشعوب
د.عبد العزيز النويضي
أستاذ القانون بجامعة سلا

مقدمة :
      يعد الحق في التنمية مقاربة أصيلة تستهدف النهوض بحقوق الإنسان من خلال مسلسل التنمية، وإنجاز التنمية من خلال ممارسة فعلية لحقوق الإنسان والشعوب. وقصد الإحاطة بواقع الحق في التنمية ومتطلبات إعماله، سنعرض على التوالي النقاط التالية :
1- جهود الأمم المتحدة لتكريس وإعمال الحق في التنمية؛
2- مضمون الحق في التنمية كحق من حقوق الإنسان والشعوب؛
3-لسياسات الدولية المتبعة والعقبات أمام إعمال الحق في التنمية؛
4- متطلبات إعمال الحق في التنمية.


أولاً : جهود الأمم المتحدة لتكريس وإعمال الحق في التنمية

      لقد تبنت الجمعية العامة إعلان الحق في التنمية في 4 ديسمبر/كا نون أول 1986 بعد أن تطور مذهب حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بفضل المساهمة الكثيفة لدول العالم الثالث منذ بداية الستينيات، حيث سمحت هذه المساهمة بالربط بين حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، وإيلاء المزيد من العناية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،


معالجة شاملة، بما في ذلك أخذ العوامل الخارجية إلى جانب العوامل الداخلية بالاعتبار.
      وقد كان قرار الجمعية العامة 130/32 لعام 1977 بداية لهذه المقاربة التي تأثرت بالدعوة إلى إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، وكان إعلان الحق في التنمية تتويجا لها.


وهذه المقاربة البنيوية والوقائية التي تحاول أن تتصدى للأسباب العميقة للانتهاكات لم تمنع من استمرار المقاربة العلاجية التي تتصدى مباشرة للانتهاكات الخطيرة، وتقترح معايير وآليات لمكافحتها، كما تدل على ذلك مثلا الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب (1984)، وإنشاء عدد من الآليات الموضوعاتية ضد أكثر الانتهاكات خطورة كالإعدام دون محاكمة (1982) والاختفاء القسري (1980) والاعتقال التعسفي (1992). الخ، وصولا إلى معاهدة روما حول المحكمة الجنائية الدولية (يوليو 1998).


1- عشر سنوات لتبني إعلان الحق في التنمية (1977-1986)
       ولم يكن تبني الأمم المتحدة لإعلان الحق في التنمية مسألة سهلة، ذلك أن مواقف الدول ترتبط بوثوق بمصالحها، فهي ليست مناقشة فقهية تقودها قواعد العدالة والمنطق. لقد استمرت المناقشات في الأمم المتحدة بين مختلف طرائق الدول لمدة عشر سنوات (1977-1986) قبل الوصول إلى صيغة متوافق عليها لمفهوم الحق في التنمية. ففي الوقت الذي كانت دول العالم الثالث تلح على أولوية حقوق الشعوب والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، محملة المسئولية عن واقع حقوق الإنسان للدول الرأسمالية الغنية- كانت هذه الأخيرة تركز على أولوية الحقوق المدنية والسياسية- محملة مسئولية أوضاع حقوق الإنسان المتردية في العالم الثالث للأنظمة الديكتاتورية. وركز - الاتحاد السوفيتي- قبل انهياره- إلى جانب مساندة موقف دول العالم الثالث على أولوية السلم في العلاقات الدولية. وفي حين كانت بعض الدول الرأسمالية كالولايات المتحدة وبريطانيا مغالية في موقفها المناهض للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وللحق في التنمية- كانت دول رأسمالية أخرى كفرنسا وهولندا أكثر إقرارا بضرورة معالجة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار مختلف حقوق الإنسان في مقاربة شاملة.
وبعد الدراسة التي قام بها الأمين العام حول الأبعاد الدولية والوطنية والجهورية للحق في التنمية بين عامي 1978و1981 استجابة لدعوة لجنة حقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، تم إنشاء فريق عمل حكومي حول الحق في التنمية بقرار لجنة حقوق الإنسان في 11 مارس 1981.


وقد أدت المناقشات داخل هذا الفريق بين (1981و1986) إلى تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان حول الحق في التنمية بالقرار 128/41 بتاريخ 4 ديسمبر/كانون أول 1986- وهو قرار متوازن يوفق بين مختلف المواقف، حيث يعتبر الحق في التنمية حقا من حقوق الإنسان إلى جانب كونه حقا من حقوق الشعوب، ويركز على الفرد كمستفيد أساسي للحق في التنمية، وعلى الدولة كأول مسئول عن إعماله، ولكن في إطار تعاون دولي يستهدف تشجيع تنمية البلاد "النامية"، مع ضرورة إزالة العقبات الخارجية أمام ممارسة حقوق الإنسان والشعوب، فضلا عن العقبات الداخلية الناتجة عن عدم احترام حقوق الإنسان التي لا تقبل التجزئة. وإذا كان الإعلان يركز على البعد الداخلي للحق في التنمية ومسئولية الدولة في إعماله، فإنه لم يهمل البعد الدولي ومسئولية الدول الغنية.

2- تجربة فرق العمل (1987-1998)
ولم تقف جهود الأمم المتحدة عند تبني الجمعية العامة لإعلان الحق في التنمية، إذا استمر فريق العمل في اجتماعاته، وفي سنة 1989 أصبحت تشكيلة الفريق الحكومي غير محدودة، وإن كانت نواة من الفريق السابق تشكل مكتب الفريق الجديد، الذي درس تقارير الأمين العام، وقدم توصيات تركز على الاستمرار في مجهود الدراسة والإعلام والنشر، وإصدار مطبوعات حول الحق في التنمية وتطبيقاته القانونية والإدارية والقضائية. كما وضع الفريق استمارة أسئلة للحكومات والمنظمات الدولية حول كيفية إعمال الحق والصعوبات التي يواجهها. وقد دارت مشاورات شاملة في يناير/كانون ثان1990 بدعوة من الجمعية العامة شاركت فيها الدول ووكالات أممية بما فيها صندوق النقد الدولي، وخبراء قانونيون واقتصاديون وممثلو منظمات غير حكومية، وأسفرت المشاورات عن خلاصات بخصوص مضمون الحق واستراتيجيات التنمية من منظور حقوق الإنسان- وعراقيل إعمال الحق في التنمية، ووسائل قياس التقدم المحرز، وتوصيات إلى الدول والمجتمع الدولي والمنظمات غير الحكومية.


وقد بقيت الأمم المتحدة تتابع الموضوع فتبنت لجنة حقوق الإنسان 1993 قرارا بإنشاء فريق عمل جديد للحق في التنمية ذي تكوين محدود من 15 خبيرا ترشحهم الحكومات، ويختص بتحديد عراقيل الحق في التنمية وتقديم توصيات لكيفية إعماله. وقد رحب مؤتمر فينا في يونيو 1993 بهذا القرار وطلب من فريق العمل أن يصيغ في أقرب الآجال "تدابير شاملة وفعالة تستهدف تصفية العراقيل أمام إعمال وتجسيد إعلان الحق في التنمية، وأن يوصي بالوسائل التي تدعم تحقيق هذا الحق في كل الدول". وأعاد إعلان وبرنامج عمل فيينا تأكيد الحق في التنمية في بعديه الوطني والدولي. وعندما أنشأت الجمعية العامة بقرارها 141/28 المؤرخ في20 ديسمبر/كانون أول 1993 منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان، جعلت من بين وظائفه تشجيع وحماية إعمال الحق في التنمية، والحصول لهذا الغرض على دعم الهيئات المختصة بالأمم المتحدة.


وفي 1996 أنشأت لجنة حقوق الإنسان فريقا جديدا من 10 خبراء لمدة سنتين كلفته بإعداد استراتيجية لإعمال وتعزيز الحق في التنمية على ضوء عمل الفريق السابق، وقد اقترح هذا الفريق سنة 1996 حوارا وتنسيقا أكبر داخل الأمم المتحدة حول الحق في التنمية، وإدماجه في أنشطة آليات رصد المعاهدات المتعلقة بحقوق الإنسان، وتبني بروتوكولات إضافية للعهدين الدوليين أو اتفاقية حول الحق في التنمية، وآليات لمراقبة انتهاكه، ونظام للتقارير تقدمها الدول حول كيفية إعماله. وفي سنة 1997 اقترح الفريق استراتيجية من ثلاثة مستويات :


* مستوى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية:
حيث اقترح الفريق مشاركة المفوضية السامية في قوة العمل Task Forceالتي تضم مختلف أجهزة الأمم المتحدة، والتي أنشأتها اللجنة الإدارية للتنسيق C.AC، وتطوير مجموعة مؤشرات لدمج حقوق الإنسان في كل منظومة الأمم المتحدة- ودمج الحق في التنمية في أشغال أجهزة رصد المعاهدات، وإعادة صياغة التوجيهات الموجهة للدول لإعداد التقارير لإدماج متطلبات الحق في التنمية. كما اقترح الفريق زيادة إلزامية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وقابليتها للمقاضاة، بما في ذلك على مستوى النظام الأممي، واقترح حوارا بين المفوضية العليا والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية بما فيها صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية؛


* مستوى الدول :
أكد الفريق مسئولية الدول عن احترام وإعمال الحق في التنمية بتبني تدابير تشريعية ودستورية واقتصادية واجتماعية، لمحاربة التهميش، وضمان وصول الفقراء إلى الموارد والعمل، ودعم احترام حقوق الإنسان؛


* مستوى المجتمع المدني :
اعتبر الفريق أن منظومة الأمم المتحدة ومنظمة التجارة الدولية يجب أن تشجع مشاركة المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، كما أن على هذا الأخير أن يدمج الحق في التنمية في أنشطته وتحالفاته.


وأوصى الفريق بوضع آلية للمتابعة لدعم وإعمال الحق في التنمية تسهر عليها لحنة حقوق الإنسان وفريق عمل ناجع أو فريق خبراء رفيع المستوى يعينهم الأمين العام بتشاور مع لجنة حقوق الإنسان- وتكون مهام هذه الآلية هي :


- تقديم تقرير إلى لجنة حقوق الإنسان عن التقدم المحرز في تعزيز وإعمال الحق في التنمية على المستويات الوطنية والدولية؛
- فحص أنشطة الأمم المتحدة من منظور الحق في التنمية؛
- فحص تقارير الدول ومؤسسات نظام الأمم المتحدة من منظور الحق من التنمية .

3- الآلية الجديدة للمتابعة (1998-2003)
وفي سنة 1998 قررت لجنة حقوق الإنسان خلق آلية للمتابعة تتضمن تعيين خبير مستقل حول الحق في التنمية، وفريق عمل ذى تركيبة غير محدودة، كلفته بمتابعة التقدم المحرز في دعم وإعمال الحق في التنمية، وصياغة وتحليل العراقيل وفحص التقارير والمعلومات التي تقدمها الدول وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى حول العلاقة بين أنشطتها والحق في التنمية، وتقديم تقرير إلى لجنة حقوق الإنسان يتضمن توصيات إلى المفوضية العليا لحقوق الإنسان واقتراحات بالمساعدة والتقنية التي يمكن تقديمها بطلب من الدول المعنية بهدف تشجيع إعمال الحق في التنمية. وتتضمن الآلية أيضا تكليف المفوضية العليا لحقوق الإنسان بتقديم تقرير سنوي للجنة حقوق الإنسان ولفريق العمل حول أنشطة المفوضية العليا في مجال إعمال الحق في التنمية. وقد قدم الخبير المستقل Arjun Sengupte (الهند) بين 1999 و2002 ستة تقارير، كان آخرها دراسة أولية حول آثار القضايا الاقتصادية والمالية الدولية على ممارسة حقوق الإنسان.. أثار فيها قضايا العولمة والمساعدة الدولية، وقدم خلاصات وتوصيات، وعلى أساس الحق في التنمية اقترح ميثاقا للتنمية من أربعة عناصر :


1- برنامجا للتنمية مبنيا على الحقوق : أي تنمية اقتصادية قائمة على احترام الحقوق وعلى العدالة والمشاركة والشفافية؛
2- تقليص الفقر وتحسين المؤشرات الاجتماعية :بواسطة آلية للتقييم والمتابعة؛
3- مواثيق للتنمية : تبرمها الأطراف بناء على التزامات متبادلة، فالتزام الدولة النامية ببرامج مبنية على الحقوق يقابله التزام المجموعة الدولية بالتعاون لتنفيذ هذه البرامج؛
4- آليات للمراقبة : هدفها تقييم إعمال مختلف الحقوق والالتزامات - وهي مستقلة عن الآليات التعاهدية(1). واقترح الخبير ثلاثة بدائل ينظر فيها الفريق العامل حول الحق في التنمية وهى :


أولا : استراتيجية دولية لإعمال الحق في التنمية يتم وضعها بمشاركة الهيئات العاملة في مجال حقوق الإنسان والمؤسسات المالية ووكالات التنمية.
ثانياً : تحديد بعض القضايا مثل التجارة وحقوق الإنسان ليعرض فريق من الخبراء توصيات بشأنها على الفريق العامل.
ثالثاً : اختيار بعض البلدان ودراسة حالتها عن كيفية تنفيذها لحقوق الإنسان في سياق العولمة، كما رحب الخبير بأن يعهد إليه بولاية العمل بشأن حقوق الإنسان في منظمة التجارة العالمية والآثار المترتبة على الحق في التنمية.


وفي سنة 2003 اجتمع الفريق العامل حول الحق في التنمية في دورته الرابعة بجنيف، وتمت الإشارة في تقريره إلى أنه "المحفل العالمي السنوي الوحيد المعنى بحقوق الإنسان والتنمية"، ولاسيما بالنظر لنوعية المشاركين فيه : الدول والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة بما فيها المؤسسات المالية الدولية، ووكالات التنمية والمنظمات غير الحكومية، والخبير المستقل، والمفوضية العليا لحقوق الإنسان.


وقد ناقش فريق العمل، من بين أمور أخرى، تقرير الخبير المستقل، وكانت هناك أسئلة وتعليقات وتحفظات على ميثاق التنمية الذي طرحه، وضرورة توضيح عدد من جوانبه، كما تمت مناقشة ورقات استراتيجية الحد من الفقر (PRSP)، والتقييم القطري الموحد لإطار عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (CCA – UNDAF)، والشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا (NEPAD)، كآليات لإحراز تقدم في إعمال الحق في التنمية.


وشجع الفريق العامل وكالات الأمم المتحدة، بما فيها المؤسسات المالية، على دمج حقوق الإنسان في عملها التنموي وإبلاغه بجهودها. كما شجع الخبير المستقل والمفوضية العليا لحقوق الإنسان على القيام، بالتشاور والتعاون مع وكالات دولية ومع المؤسسات المالية، بإجراء دراسة ببلدان متقدمة ونامية، بناء على دعوة من البلدان المهتمة، لبحث الجوانب الوطنية والدولية لإعمال الحق في التنمية فيها. كما ناقش الفريق مسألة وضع آلية متتابعة دائمة ومناسبة حول إعمال الحق في التنمية.


وفي سنة 2002 قدمت المفوضية العليا لحقوق الإنسان تقريرها(2) - تنفيذا لقرار لجنة حقوق الإنسان المشار إليه سابقا- يتضمن جردا لأنشطة المفوضية العليا، ولتطبيق قرارات لجنة حقوق الإنسان، ولعملية التنسيق داخل المنظومة الأممية.

ثانياً : مضمون الحق في التنمية كحق من حقوق الإنسان والشعوب

1- الحق في التنمية كحق من حقوق الإنسان
      يلتقي الطابع الأساسي للبعد الداخلي للحق في التنمية مع مبدأ أساسي كرسه القانون الدولي لحقوق الإنسان وهو أن المسئولية الأولى عن احترام حقوق الإنسان والنهوض بها مسئولية وطنية تقع بالدرجة الأولى على عاتق كل دولة إزاء مواطنيها وذلك في إطار احترام التزاماتها الدولية.
ويلتقي هذا البعد الداخلي للحق في التنمية مع مفهوم التنمية الإنسانية الذي يجعل الإنسان في قلب عملية التنمية، كفاعلها الرئيسي والمستفيد الأساسي منها أيضا- وهو مفهوم كرسه إعلان الحق في التنمية قبل أن يظهر بشكل ثابت في الفكر التنموي.


كما يلتقي هذا البعد مع مفهوم الحكم الجديد (good Governance) القائم على المشاركة والشفافية وترشيد السياسات العمومية.
وهكذا وعلى ضوء الإعلان يمكن القول بأن الحق في التنمية على المستوى الوطني يرتكز على عنصرين كبيرين :
1.الحق في المشاركة في سياسات ومسلسل التنمية؛
2. الحق في التمتع بكافة حقوق الإنسان في سياسات ومسلسل التنمية.

أ. الحق في التنمية كحق في المشاركة في سياسات ومسلسل التنمية.
إن شمولية الطرح تعد من أهم عطاءات الحق في التنمية، غير أن أحد أكبر عطاءاته الأخرى بدون شك هو تعزيزه لمقاربة Approche ثورية في مجال التنمية وحقوق الإنسان، وهي مقاربة المشاركة، فالحق في التنمية عندما يلح على هذا العنصر فإنه يستجيب لمطلب أساسي، هو ألا تكون سياسات التنمية إقصائية، يحتكر فيها القرار، وقمعية تنتهك فيها حقوق الإنسان، واستغلالية، تؤدي إلى تهميش واستنزاف وهدر الطاقات الإنسانية.


وعلى المستوى الدولي، فإن الديمقراطية تمنح للدولة في عالمنا المعاصر مزية مقارنة في العلاقات الدولية، وتحد من مخاطر التدخل في شؤون الشعوب باسم حقوق الإنسان، مادامت حقوق الإنسان مصانة، ولعل هذا هو المدخل الحقيقي لتقوية دول العالم الثالث وفتح آفاق قوية لتضامنها على أسس صلبة، خاصة وأن الحق في التنمية يجعل المشاركة حق للإنسان وكذلك للشعوب. وفي اعتقادنا فإن فرض المشاركة في العلاقات الدولية ودمقرطتها، لابد أن يمر عبر دمقرطة السلطة في الداخل.


وحتى يمارس الحق في التنمية كحق في المشاركة في كامل مضمونه فإنه لا يمكن إلا أن يرتكز على جملة من الحقوق المكرسة في القانون لحقوق الإنسان والأكثر ارتباطا بالمشاركة السياسية أساسا، ذلك أن هذا الحق المركب والشمولي، وإن كان يشكل وحدة تتجاوز مكوناتها، فإنه في نفس الوقت يعتمد على هذه المكونات(3)، يتعزز بها في الوقت الذي يعززها. ورغم عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة فإن هناك حقوقا أكثر ارتباطا بالمشاركة في الشؤون العامة، وخاصة من خلال الحق في الانتخابات النزيهة والدورية، والحق في حرية التجمع وتأسيس الجمعيات، والحق في حرية الرأي والتعبير والبحث عن المعلومات وتلقيها والوصول إليها، وأخيرا بالحق في محاكمة عادلة.


إن التجربة التي عرفتها الأغلبية الساحقة من دول العالم الثالث تبرهن بأدلة كافية كيف قاد هدر هذه الحقوق إلى احتكار الحقل السياسي، ومن ثم احتكار القرار في السياسات الداخلية والدولية، مع آثار ذلك على كافة حقوق الإنسان وعلى التنمية.


إن التجربة التي عرفتها الأغلبية الساحقة من دول العالم الثالث تبرهن بأدلة كافية كيف قاد هدر هذه الحقوق إلى احتكار الحقل السياسي، ومن ثم احتكار القرار في السياسات الداخلية والدولية، مع آثار ذلك على كافة حقوق الإنسان وعلى التنمية.

إن مقترب المشاركة يسمح بتحول في نظرية حقوق الإنسان ذاتها، تجعلنا نتجاوز النظرة التقليدية- غير المنتجة جدا- لحقوق الإنسان، إما بوصفها مجموعة حقوق تقتضي من الدولة امتناعا عن التدخل (Droits - Abstension) أي بوصفها حقوقا- حريات droits libertés أو حقوقا- حمايات، وهذا منظور أنصار "الحقوق المدنية والسياسية"، وإما بوصفها مجموعة حقوق تقتضي من الدولة تدخلا إيجابيا لمد الأفراد بخدمات، أي بوصفها حقوقا- ديونا على الدولة (droits-créances) وهذا منظور التقليدي أنصار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. والمأخذ الأساسي الذي يمكن توجيهه لهذا المنظور هو أنه يقيم فصلا قاطعا بين الدولة والفرد، بين السلطة والمجتمع، إنه يعتبر الفرد موضوعا Objet غير نشيط Passif يطالب بكل شيء من الدولة، وبشكل متناقض نوعا ما، فهو يطالب بالحماية من سلطتها وفي نفس الوقت يطالب بتدخلها ومساعدتها؛ وهو ما يسمح لها ببسط سلطتها بشكل خطير كما أثبتت التجربة.


إن المفهوم الذي كرسه إعلان الحق في التنمية يسمح بالنظر إلى حقوق الإنسان لا بصفتها مطالب بالحماية (الحقوق- الحريات)، أو بالخدمات (الحقوق- الديون) من الدولة كهيئة متعالية ومنفصلة عن المجتمع، أي كمخلوق جبار تخشى سطوته وترجى رحمته- بل كنتيجة طبيعية لممارسة ديمقراطية. فالفرد من خلال مشاركته يساهم في إقرار حقوقه وواجباته وفي حمايتها والرقابة عليها. كما يساهم في إنتاج الثروات والخدمات والتمتع بها، وتتوارى عقلية الاتكال والاستجداء التي تكرس منظور الفرد- الرعية، المستسلم والذائب بحثا عن حماية أو تدخل، لإفساح المجال لمنظور وعقلية الفرد – المواطن- المسؤول والنشيط Actif، الشخص الفاعل sujet في المصير الفردي والجماعي. إن هذا المقترب الديمقراطي لحقوق الإنسان يترك النقاش مفتوحا حول الحقوق والدولة نفسها، لأن "منطق الديمقراطية هو عدم الخضوع لأي سلطة لا يمكن أن تناقش مشروعيتها(4).

 بهذا المعنى يصبح الحق في التنمية- عبر المشاركة- حقا مؤسسا للحقوق(5) يدعمها ويعمقها، إنه يجعل حقوق الإنسان حقوقا في السلطة أو "حقوقا- سلطات"، وحقوقا في المشاركة(6). وهذا المقترب يعطي مفتاحا ومركزا موحدا ومقرا للانسجام في كل إشكالية حقوق الإنسان، ويعطيها بعدها الحقيقي الذي يجب أن يكون لها أي بصفتها لا تمت بصلة إلى الصدقة والإحسان التي يمكن أن "تجود بها" سلطة ما. فالمشاركة حق يتميز بخاصية أنه حق للجميع لا يمكن التنازل عنه تحت طائلة التهميش والتطاول على بقية الحقوق وخصوصا حقوق كل من يتنازل. إن حقوق الإنسان تعتبر سلطات، والصراع عليها يبرهن على ذلك. ففي غالب الأحيان ما تحصل طائفة على حقوقها على حساب طائفة كانت تتوفر على امتيازات غير مشروعة عندما تترجم بهضم حقوق آخرين، فالامتيازات هنا هي حقوق الآخرين التي تحولت إلى سلطات في يد البعض عبر مسلسل غير ديمقراطي(7). وبهذا المعنى تصبح الحقوق وسيلة للتقوية Empowerment.


إن تكتل الفلاحين مثلا في جمعيات للمطالبة بحقوقهم في الأرض والمياه وفي احترام السلطة لحقهم في هذا التكتل نفسه أي في تكوين جمعيات، يبرز لنا بشكل جلي كيف تصبح حقوق الإنسان حقوقا للتقوية، خاصة بالنسبة للمستضعفين. وغالبا ما قوبلت مثل هذه المطالب على أحقيتها بقمع عنيف للغاية وصل إلى حد تصفية الزعماء النقابيين، وتجنيد فرق الموت لاغتيالهم واغتيال الفلاحين المطالبين بحقوقهـم(8). إن بعد المشاركة في مجال حقوق الإنسان هو الذي يفسح المجال لنمو ثقافة ديمقراطية، حيث تتغلغل المشاركة إلى كل مجالات المجتمع وسلوكياته.


ويصرح مفكر ومؤرخ معروف : "لا أفصل بين الديمقراطية والإنتاجية، الديمقراطية معناها مشاركة الأغلبيـة، إذا شاركت فستكون إنتاجيتها متعالية في جميع المياديـن، وهـذا درس تاريخي ...(9).


وإلى جانب كل هذا، فإن الحق في التنمية بإلحاحه على البعد الدولي للمشاركة يجعل حقوق الإنسان مسألة عالمية بامتياز. وكما يلقي على الدولة الوطنية بصددها التزامات إزاء المجموعة الدولية، فإنه في نفس الوقت يضع التزامات على هذه المجموعة للمساعدة على النهوض بها واحترامها كما سنحلل ذلك بتفصيل لاحقا(*).

ب.الحق في التنمية كحق للتمتع بحقوق الإنسان في سياسات ومسلسل التنمية.
إن الركن الثاني للحق في التنمية بموجب الإعلان، إلى جانب ركن المشاركة، هو التمتع بحقوق الإنسان في سياسات ومسلسل التنمية. ومن خلال التطورات في المجتمع الدولي نلاحظ أنه رغم حصول بعض التحولات في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا وأوربا الشرقية نحو المزيد من احترام بعض الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية كإفراز التعددية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، فقد بقيت أوضاع حقوق الإنسان هشة وخاصة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد أدت هذه الوضعية إلى تطورات سلبية على حقوق المشاركة السياسية نفسها. ويمكن أن تبرز أنظمة قوية سلطوية تتبنى اقتصاد السوق بمباركة الغرب الرأسمالي، وتمارس لفرضه قمعا لكافة حقوق الإنسان، وهذا التطور تجلت معالمه في روسيا إلى جانب أقطار من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأسيا وأوربا الشرقية.


إن الحقوق المرتبطة بالمشاركة تمكن فعلا في حالة ممارستها على الشكل السليم الذي حللناه أعلاه من التوفر على بقية الحقوق، غير أن المعضلة تكمن في واقع أن اللامساواة التي تعاني منها الفئات الضعيفة في المجتمع، أي الفقراء والأميون والمهمشون..الخ، تمتد إلى مجال الحقوق المرتبطة بالمشاركة، فنكون في حالة لا مساواة أمام القدرة على ممارسة هذه الحقوق ومن ثم على التمتع بحقوق جديدة(10).


إن الفقر والتفاوت الهائل في الثروات والدخول يشكل عقبة حقيقية أمام ديمقراطية صلبة وأمام تنمية ديمقراطية. فالمصالح الكبرى الداخلية والخارجية تتضافر لمقاومة أي مشاركة قد تؤدي إلى إعادة النظر في تلك المصالح أو معارضة توسعها، وإقرار سياسة عادلة وتنمية ديمقراطية واجتماعية. وهذا ما يتطلبه الحق في التنمية في نهاية المطاف، إنه ليس نقاشا أكاديميا صرفا، فهو يتعلق بمصير ثلاثة أرباع أو أكثر، من البشرية وحقهم في الوجود الكريم.
لقد أبرز فقهاء مناضلون(11) أن الفقر المدقع يشكل انتهاكا لحقوق الإنسان ويمنع أي مشاركة ذات مغزى. ولكسر هذه الحلقة المفرغة يتعين إرساء حقوق لهذه الفئات الضعيفة إزاء المجموعة الوطنية والدولية التي ينتمون إليها، حقوق تمكنهم من الوصول إلى حد أدنى من تكافؤ الفرص، وهي حقوق تصنف أساسا في خانة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية- كالحق في التعليم والحق في الشغل وتطويره والحق في مستوى معيشي لائق وهي حقوق تحتاج اليوم إلى تدقيق أكبر.


إن هذه الحقوق الثلاثة من شأن إعمالها توفير أرضية صلبة للحق في التنمية، فهي من جهة تتفاعل جدلا مع الحقوق المرتبطة بالمشاركة، لأن مواطنين متعلمين ومساهمين في النشاط الاقتصادي ومتوفرين على حد أدنى من ضرورات الوجود يعدون أكثر قدوة وكفاءة، وأكبر حفزاً على المشاركة في الحياة العامة، والمساهمة في عملية التنمية بكل أبعادها. وهذه الحقوق تتفاعل فيما بينها أيضا، ذلك أن ممارسة سليمة للحق في التعليم والتكوين، هي أفضل معبر لممارسة سليمة للحق في العمل، وهذا الأخير يعد أفضل وسيلة للتمتع بالحق في مستوى معيشي لائق.


وتبدو أهمية الحق في التعليم لأنه في قلب عملية التنمية يوجد الإنسان، وحيثما كان هناك مسلسل حقيقي للتنمية وجدنا الإنسان المتعلم صاحب الخبرة والمهارات يلعب دورا محركا.


فالتعليم يؤهل للمشاركة كما يؤهل للتمتع بحقوق الإنسان خلالها. فهو يسهم في تنمية الإنسان نفسه كما يسهم في عملية التنمية. ذلك أن المجتمعات التي تتوفر على أكثر المؤشرات الدالة على التنمية هي التي تتكون أساسا من مواطنين متعلمين. وكما يقولFrançois Perroux في مؤلفه "من أجل فلسفة لتنمية جديدة"(12) (...) يصبح للموارد البشرية فرص للمزيد من الفعالية ومن النوعية ضمن بنى متطورة، وحيث تصبح الآلة الاقتصادية أقوى وأكثر تعقيدا فإنها تعطي منتوجات اقتصادية وثقافية أكثر وأكبر جودة، وللتوفر عليها نحتاج لأشخاص أكثر قدرة وخبرة، ويصبح المستهلك أكثر تطلبا Exigeant كما وكيفا، ويقود ذلك إلى تطوير الإنسان بواسطة الآلة، وتطوير الآلة بواسطة الإنسان، في مسلسل تراكمي".


وبخصوص الحق في العمل تبدو أهميته الاستثنائية مما جاء في ختام المؤتمر العالمي للعمل عام 1979 في إحدى التوصيات : "في الثلاثي المتكون من النمو والعمل وإشباع الحاجات الأساسية يعد العمل رابطا أساسيا، إنه يؤدي إلى إنتاج، ويوفر دخلا للشخص المشتغل ويعطي لكل واحد إحساسا باحترام الذات وبالكرامة وبأنه عنصر مفيد في المجتمع(13).


إن الحق في العمل، إذا مورس ضمن الشروط التي يتطلبها القانون الدولي لحقوق الإنسان، يساهم في إعمال الحق في التنمية، فهو يشكل ضرورة لتنمية الفرد والمجتمع وتوفير الشروط لمشاركة ذات مغزى للفرد في الحياة العامة، وفي التمتع بكافة حقوق الإنسان. وقد لاحظ أحد الباحثين : "تواجد علاقة بين عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية والبطالة، وهكذا فأشد الناس حاجة للتصويت هم أقل الناس حظوظا لاستعماله"(14).


وأضاف عضو في الكونغرس الأمريكي : إن "56% من السكان لم يشاركوا في الانتخابات في الولايات المتحدة، ليترك الأمر للجماعات الضاغطة والمنظمة (...) إن هناك ارتباطا قويا بين المال والانتخابات وأن 95% من المتواجدين في المجالس المنتخبة هم من أصحاب المال فـي حين أن عددهم هـو الأقل في المجتمع"(15).


وبالنسبة للحق في مستوى معيشي لائق، لا يوجد حق يفوق أهميته باستثناء الحق في الحياة من منظور الاستمرارية - بل إن غاية كل الحقوق بما فيها الحق في التنمية، هي ضمان الحق في مستوى معيشي لائق بكرامة الإنسان. كما أن الحق في الحياة نفسه يفقد كثيرا من معناه وفائدته إذا لم يتمتع الإنسان بالحق في حياة كريمة. وتبدو أهمية هذا الحق كغاية وكوسيلة، فهو هدف كل إنسان سوي، وهو أيضا وسيلة لمشاركة ذات مغزى في الشؤون العامة. وفي إنجاز التنمية الفردية والجماعية- فالفقر المدقع وعدم التوفر على الحد الأدنى من شروط العيش الكريم لا يسمح بمشاركة فعلية.


ولاشيء يكشف نسبية تصنيفات حقوق الإنسان أكثر من هذا الحق. فهل يجب أن يقتصر الحق في الحياة مثلا على حق الإنسان في ألا يقتل بشكل تعسفي كما يؤول الحق بمعناه الضيق في صف الحقوق المدنية والسياسية ؟ أم يجب توسيع ضمان الحق في الحياة كحق للإنسان في حياة كريمة ؟ ثم إن القتل التعسفي نفسه يأخذ أشكالا متنوعة، فالمجاعات الواسعة، وترك قطاعات من السكان أو الشعوب عرضة للأمراض وسوء التغذية، هل يمكن عدم اعتباره قتلا تعسفيا عندما ينتج عن سياسات، أي اختيارات بشرية، ترسم أولوياتها، وتقرر في مصير الآخرين، وتملك وسائل وقائية لتفادي وعلاج هذه الوضعيات دون أن تقوم بذلك ؟ ويلخص William Butler هذه الفكرة قائلا : " إن خرقا لحقوق الإنسان لحكومة تشجع أو تعد مسؤولة عن مجاعة شعبها، يساوي خرق حكومة تنهمك فـي سياسـة تعذيب منهجي"(16): وتوضح خبيرة في مجال حقوق الإنسان : "لا أقول بأولوية طائفة من الحقوق بل أدافع عن أن الحد الأدنى المعيشي يجب أن يكون حقا أساسيا من حقوق الإنسان(17).

2- البعد الدولي للحق في التنمية كحق من حقوق الإنسان والشعوب
ما هي عناصر الحق في التنمية في بعده الدولي؟ يمكننا في هذا الصدد أن نتحدث عن ثلاث نقط :
1- الحق في التنمية كحق في المشاركة على قدم المساواة في العلاقات الدولية؛
2- الحق في التنمية كحق في معاملة تفضيلية لتسهيل التنمية؛
3- الحق في التنمية كحق في مساعدة دولية مشروطة باحترام حقوق الإنسان.

أ. الحق في التنمية كحق في المشاركة على قدم المساواة في العلاقات الدولية
إن الحق في التنمية كحق من حقوق الشعوب يتطلب بناء على مختلف قواعد ومبادئ القانون الدولي واحترام وإعمال ثلاثة حقوق – مبادئ :
أولا : حق الشعوب في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والثقافي- وهذا الحق له بعد داخلي، يرتبط بحقوق المشاركة التي أشرنا إليها سابقا، غير أن لهذا الحق أيضا بعداً دولياً يهم الحق في التحرر من أي هيمنة استعمارية أو احتلال أجنبي- ومناهضة أي نظام عنصري- مما يتيح للشعب حكم نفسه بنفسه وتحديد الاختيارات الداخلية والدولية التي يرتئيها في إطار مبدأ آخر.


ثانيا : حق الشعوب في السيادة الدائمة على ثرواتها. وهذا الحق كسابقه لا يكرسه إعلان الحق في التنمية فحسب (الفقرة 2 من المادة 1) بل كرسه عدد من القرارات الكبرى للجمعية العامة كالقرار 1803 لعام 1962، والقرار 3281 لسنة 1974 المتعلق بميثاق حقوق الدول وواجباتها الاقتصادية، والقرار3202 (S-IV) بمتابعة برنامج عمل يتعلق بإقامة نظام اقتصادي عالمي جديد. كما كرسته الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كالمادة الأولى المشتركة من العهدين، ومعاهدة 1982 حول قانون البحار في عدد من مقتضياتها.


ثالثا : الحق في مشاركة ديمقراطية في العلاقات الدولية: إذ لا يمكن أن يطلب من الدول الفقيرة إقامة أنظمة ديمقراطية داخلها مع التنكر للديمقراطية والحق في المشاركة على المستوى الدولي. وهذا الحق في المشاركة يتنافي وواقع بعض الترتيبات التي تمنح لبعض الدول القوية أصواتا أكثر من غيرها، أو ذات قيمة أكثر كما هو الحال في المؤسسات المالية الدولية أو في مجلس الأمن الدولي.

ب. الحق في التنمية كحق في معاملة تفضيلية للمساعدة على التنمية
لا يتوقف الحق في التنمية عند الاعتراف للشعوب الفقيرة بحقوقها الطبيعية في السيادة وفي الحرية والمساواة، بل على معاملتها بشكل يسرع بتنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية أيضا- فالتنمية السياسة هي التدرج في سلم الديمقراطية والحكم الجيد، ويرتكز هذا المبدأ الثاني على البعد الاقتصادي والاجتماعي لمبدأ التضامن. ويسمى أحيانا مبدأ اللامساواة التعويضية. وهذا المبدأ عرف تطبيقات في المجال التجاري والمالي، ونقل التكنولوجيا بنسبة أقل.


فقد عرف المجال التجاري أكبر تكريس لهذا المبدأ من خلال إقرار النظام المعمم للأفضليات، والبرنامج المتكامل للموارد الأساسية. ولا يتعلق الأمر بمعارضة قانون السوق، بل الاعتراف به مع تقديم امتيازات تجارية للدول الفقيرة لتحسين وضعها التنافسي (نظام الأفضليات المعمم) أو لتحصينها ضد تقلبات السوق (برنامج المواد الأساسية) في إطار "الانكتاد" أو في إطار العلاقات بين السوق المشتركة ودول ACP أفريقيا والكاريبى والمحيط الهادى في إطار مجموعة من الاتفاقيات عرفت "باتفاقيات لومى" يتضمن تثبيت أسعار المواد الفلاحية، والحفاظ على دخول الصادرات. أو في إطار الشراكة بين دول الاتحاد الأوربى ودول جنوب وشرق البحر المتوسط.


وبترابط مع المجال التجاري عرف المبدأ تطبيقات في المجال المالي والتقني، فمنذ 1960 تبنت الجمعة العامة القرار 1522 (XV) وعنوانه: "تسريع تيار الرساميل والمساعدة التقنية للبلاد النامية" عبرت فيه عن الأمل أن تزيد المساعدة لتصل قدر الإمكان إلى 1% من دخول البلاد المتقدمة، وفي سنة 1970 طورت التوصية بمتابعة "الاستراتيجية الدولية للعقد الثاني للأمم المتحدة للتنمية" نفس الهدف أي 1% من الدخل الوطني الخام لكل دولة متقدمة، مع تدقيق أن 0.7% يجب أن يأخذ شكل مساعدة عمومية على التنمية –وأن تكون المساعدة ميسرة وغير مشروطة- وحددت العام 1975 لبلوغ هذا الهدف. وأكدت استراتيجيات التنمية للأمم المتحدة هذه النسبة 0.7% خلال الثمانينيات والتسعينيات.


وبالنسبة للدول الأقل تقدماPMA حددت الأمم المتحدة في مؤتمر باريس سنة1981 هدف 0.15% من الدخول الخام للدول المتقدمة كهدف. وقد أنشأت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي تضم كبار المانحين لجنة المساعدة على التنمية كإطار للتشاور وتقييم سياسات المساعدة على التنمية. ويتجسد المبدأ أيضا في معاهدات السوق المشتركة مع عدد من شركائها.


وهناك عنصر ثالث للحق في معاملة تفضيلية وهو الحـق في استفـادة كل الـدول من العلـم والتكنولوجيا، فمؤتمر الأمم المتحدة بفيينا سنة 1979 حول "العلم والتكنولوجيا في خدمة التنمية" طلب من الدول المصنعة تشجيع تدفق المعلومات والمعارف التقنية نحو دول الجنوب، كما وضع برنامج عمل صادقت عليه الجمعية العامة بالقرار 278/34 في 19 ديسمبر/كانون أول 1979 وأنشأت لتطبيقه لجنة "بين حكومية" للعلم والتكنولوجيا في خدمة التنمية، ومركزا للعلم والتقنية في خدمة التنمية- ونظاما للأمم المتحدة لتمويل العلم والتقنية في خدمة التنمية".


ومنذ 1975 اشتغلت "الأنكتاد" على مشروع مدونة سلوك لنقل التكنولوجيا- غير أن اختلاف مقاربات الدول، وصعود أيديولوجية السوق عرقل التقدم في المشروع، الذي كان يهدف تشجيع نقل التكنولوجيات التي لا يتوقف تحويلها على قرار من القطاع الخاص إلى الدول النامية، وتصفية البنود التقييدية من عقود نقل التكنولوجيا.

جـ. الحق في التنمية كحق في مساعدة دولية مشروطة باحترام حقوق الإنسان
لقد كانت هذه مقاربة الدول المتقدمة كالسوق الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية واليابان. غير أن هذه المقاربة بقيت إلى حد كبير مقاربة انفرادية، فرضتها الدول المانحة على الدول المرشحة للمساعدة، كما بقيت مقاربة عقابية أحيانا في فلسفتها ولاسيما المقاربة الأمريكية، وأخيرا بقيت مقاربة انتقائية، تخضع لمصالح المانحين وأهواء سياستهم الخارجية وأطماعهم الاستراتيجية(18).


ومن الناحية المبدئية فإن الحق في التنمية يتطلب قبل غيره ربط المساعدة على التنمية باحترام حقوق الإنسان، ولكنه ربط يجب أن يكون مؤسسا على جملة من المبادئ حتى يكون موضوعيا وفعالا ومساهما في تحقيق وإعمال الحق في التنمية.


وإن قراءة فاحصة للمبادئ التي كرستها المجموعة الدولية سواء على مستوى الأمم المتحدة أو الفقه الدولي أو إعلانات المبادئ التي يضعها المانحون أنفسهم يبرز أن هناك على الأقل تسعة مبادئ عامة يجب أن تحكم ممارسة التدابير المتخذة باسم حقوق الإنسان. وهي تتعلق بالاتفاق على مفهوم حقوق الإنسان وباعتماد مرجعية موثوقة للتقييم، وبأولوية التدابير الإيجابية وأولوية المعالجة الدولية، ومبدأ التناسب، ومبدأ احترام حقوق الإنسان عند إعمالها، ومبدأ عدم الانتقائية، ومبدأ استبعاد الاستعمال الانفرادي للقوة، ومبدأ الرقابة الدولية على إعمالها.


المبدأ الأول : ضرورة الاتفاق على المفهوم العالمي لحقوق الإنسان
إن هذا شرط ضروري، ونعنى بالمفهوم العالمي ذلك الذي ينبع من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وكل الاتفاقيات والإعلانات ذات القبول العالمي، بما فيها اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وإعلان الحق في التنمية. وما كانت هذه النقطة لتثير الانشغال لولا ملاحظة التوجه الذي يميل إلى بخس قيمة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عملياً، ودمج شرط اقتصاد السوق، كما لو كان ضمن قيم حقوق الإنسان، داخل منظومة الاشتراطية المتعلقة بالديمقراطية والحكم الجيد،
في حين أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا يتعامل معها غالباً إلا من منظور مساعدة الفقراء، أى كعمل أخلاقي أو سياسي لا بصفته التزاماً قانونياً.

المبدأ الثاني: ضرورة اعتماد منهجية سليمة لقياس الحقوق ومراجع موثوقة للتقييم
إذا كانت التدابير المتخذة باسم حقوق الإنسان تقوم على أساس انتهاكها أو احترامها، فلا أقل من أن يتم تبنى منهجية سليمة لقياس وضعية حقوق الإنسان، وأن تعتمد مصادر موضوعية لتقيم وضعيتها في مختلف البلدان.
وبدون شك فإنه يجب تطوير مؤشرات قياس الحقوق ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما يجب اعتماد تقارير المنظمات ذات المصداقية وكذا أجهزة رصد المعاهدات والآليات الموضوعاتية (المقررون وفرق العمل) بالأمم المتحدة أو نظاما خليطاً يدمجها، بدلا من الاعتماد على تقييم انفرادي تقوم به الدول المانحة، وهو غالباً يتأثر باعتبارات سياسية ومصلحية، فيؤدى إلى سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع الدول.

المبدأ الثالث : إعطاء الأولوية للتدابير الإيجابية.
إن المقصود هنا أن تعطى باستمرار وفي كل الوضعيات الأولوية لتلك التدابير غير العقابية، والتي من شأنها خلق الظروف المواتية لإعمال فعلي وكامل لحقوق الإنسان. ويمكن استخلاص هذا المبدأ من إعلان الحق في التنمية (المواد 3 و4و7 بصفة خاصة). كما أكد هذا المبدأ معهد القانون الدولي في مشروع تقريره الرابع سنة 1987 حول "حماية حقوق الإنسان ومبدأ عدم التدخل" بالمادة 8: "إن واجب الدول لضمان
احترام حقوق الإنسان يتضمن أيضا مساعدة فردية وجماعية للدول التي من شأن وضعيتها الاقتصادية والاجتماعية أن تعطل الازدهار الكامل للشخص البشري".


وقد أكد على أولوية التدابير الإيجابية إعلان المبادئ الذي وضعته دول المجموعة الأوروبية في 1991 وإن كان قد حصر التدابير الإيجابية في مجال ضيق، أي المساعدة التقنية (تقوية دور الجهاز القضائي- دعم المنظمات غير الحكومية – المساعدة في تمويل عمليات الانتخابات...الخ) فرغم أهمية وإيجابية هذه التدابير، فإننا نعتقد أن التدابير الإيجابية يجب أن تذهب بعيدا لمعالجة الجذور الهيكلية التي تفرز الخروقات أو الحرمان من التمتع بالحقوق سواء كان مصدرها داخليا أو دوليا- وفي هذا الصدد لا يمكن فصل التدابير الإيجابية عن توفير شروط إعمال المبادئ والقواعد النابعة عن حق الشعوب في المشاركة الأكبر في العلاقات الدولية وعن واجب التعاون الدولي كما حللناها سابقا.


ويصبح مبدأ أولوية التدابير الإيجابية أكثر إلحاحا في حالة وضعية نظام ديمقراطي ناشئ يواجه صعوبات جمة مصدرها المحيط الدولي ( كانهيار أسعار المواد المصدرة، وارتفاع أسعار الواردات وعبء الديون وضغوط بعض الدول العظمى أو بعض المنظمات الدولية المالية ...الخ).
غير أن مبدأ أولوية التدابير الإيجابية لا يعني الاقتصار على هذه التدابير خاصة عندما نكون إزاء وضعية تتميز بانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان كسياسة مقصودة لبعض الأنظمة للاستمرار في احتكار السلطة والثروات. ففي هذه الحالة فإن التدابير الردعية تعد إيجابية من منظور حقوق الإنسان والحق في التنمية – متى احترمت شروطها الخاصة(19).

المبدأ الرابع : أولوية المعالجة الدولية
إن هذا المبدأ ينبع عن المبدأ الديمقراطي الذي يتأسس عليه الحق في التنمية، كما أنه يستجيب لمبادئ الموضوعية وعدم الانتقائية، فالمعالجة
الجماعية خاصة في إطار الأمم المتحدة، أو أي منظمة تكتسي صيغة ديمقراطية، هي ضمانة أكبر توفر اطمئنانا لا يمكن أن توفره معالجة انفرادية، سواء حصلت من دولة عظمى أو مجموعة من الدول دون مشاركة المجموعة الدولية.
وينتج عن هذا المبدأ تنسيق التدابير والآليات الموضوعة من طرف المجموعة الدولية متى كانت متوافرة ومناسبة كما أكدت ذلك محكمة العدل الدولية(20). وينتج عن هذا المبدأ أن نزعة القانون الدولي المعاصر إلى الحد من الأعمال الانفرادية التي تتخذها الدول، لصالح الأعمال المشتركة للمنظمات الدولية، يجب تقويتها- ولاسيما أن المعالجة الجماعية والرد المشترك على أوضاع حقوق الإنسان يجنب خطرا كبيرا يحصل كثيرا في المجتمع الدولي، وهو تضارب وعدم انسجام تدابير عدد من الدول، وإبطال مفعول بعضها بعضا في كثير من الأحيان. ففي الوقت الذي تضغط فيه مثلا دولة قوية بشكل مشروع على نظام لحثه على احترام حقوق الإنسان، قد يجد هذا النظام سندا قويا من دولة قوية أخرى لأهداف استراتيجية: سياسية، أو عسكرية أو اقتصادية، والعكس صحيح أيضا، أي أن جهود دول متقدمة لدعم نظام ديمقراطي ناشئ قد تبطله الجهود المعاكسة لقوة عظمى.
وأخيرا فمبدأ أولوية المعالجة الدولية لا يعني أن تبقى الدول مكتوفة الأيدي في حالة تعذر الاتفاق على معالجة دولية ناجعة- إذ يمكنها أن تلجأ بشكل انفرادي إلى تدابير للرد على الوضعية شريطة احترام المبادئ الأخرى والشروط المرتبطة بكل نوع من أنواع التدابير، خاصة الردعية منها.

المبدأ الخامس : التناسبproportionnalité
وهو يعني تناسب التدابير المتخذة مع خطورة الانتهاكات التي تحصل لحقوق الإنسان بصفتها انتهاكات للقانون الدولي. ومبدأ التناسب مبدأ عام يحدد العلاقة بين خرق القاعدة والجزاء على ذلك في أي نظام قانوني. وكما أوضح ذلك الفقيه Riphagen في تقريره إلى لجنة القانون الدولي حول المسئولية الدولية: "إن تنفيذ الالتزامات المتولدة على دولة بسبب عملها غير المشروع دوليا، وممارسة الحقوق المتولدة عن هذا العمل بالنسبة للدول الأخرى، لا يجب أن تكون آثارها غير متناسبة disproportionnés بوضوح مع خطورة العمل غير المشروع دوليا"(21)
ويجر مبدأ التناسب معه مبدءاً آخر هو مبدأ رقابة دولية على صحة التدابير لتحري مدى تناسبها مع الخرق الحاصل أو المدعى بحصوله، وسنتطرق لهذا المبدأ لاحقا.


المبدأ السادس : مبدأ احترام حقوق الإنسان في التدابير المتخذة باسم فرض احترامها
إن هذا المبدأ بديهي كما يبدو، غير أن الإلحاح عليه ضروري لتفادي أن تصبح بعض التدابير ضارة بحقوق الإنسان بشكل يضاعف من معاناة الشعب المعني أو الجماعة التي تضربها الانتهاكات الأصلية- فيعاقب السكان بأخطاء جلاديهم. ويطرح هذا المبدأ بصفة خاصة عندما تتخذ تدابير عقابية. كما أنه مبدأ يحد من الاستعمال الانفرادي للقوة في مجال التدابير المتخذة لحماية حقوق الإنسان وهو يلتقي في ذلك مع المبدأ الخامس.

المبدأ السابع : مبدأ استبعاد الاستعمال الانفرادي للقوة لدعم احترام حقوق الإنسان
لدى مناقشة معهد القانون الدولي للوضعيات التي يهدد فيها الحق في الحياة والتي تتطلب تدابير استعجاليه - كان الرأي أن هذه التدابير يجب أن تكون ذات طابع جماعي وأن تتخذ "في إطار القواعد والمبادئ المصاغة من طرف الجهات المختصة في الأمم المتحدة"(22).
ولاشك أن هذه التدابير في هذه الحالة لا يمكن أن تخرج عن ترخيص مجلس الأمن. وطبقا
لمقتضيات وروح الميثاق عندما يتعلق الأمر بالتدابير الجماعية- لأن الحالات الأخرى الوحيدة التي يعد استعمال القوة فيها مشروعا هو الدفاع الشرعي عن النفس، وكفاح حركات التحرير ضد الاستعمار أو الاحتلال الأجنبيين ضمن الشروط التي رسمها القانون الدولي في هذه الحالات- وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في قضية نيكاراجوا عندما صرحت: "وإذا كان بإمكان الولايات المتحدة بالتأكيد أن تعطي تقييمها الخاص حول وضعية حقوق الإنسان في نيكاراجوا، فإن استعمال القوة لا يمكن أن يكون الوسيلة المناسبة لتحري وضمان احترام هذه الحقوق.."(23).

المبدأ الثامن : مبدأ عدم الانتقائيةPrincipe de non sélectivité
ويحكم هذا المبدأ بصفة أساسية التدابير العقابية - وهو يعني ضرورة تطبيق هذه التدابير على كل الدول التي تنتهك حقوق الإنسان - مع مراعاة مبدأ التناسب المشار إليه سابقا - حتى لا تبقى بعض الدول مستمرة في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان دون تدابير عقابية، في حين تطبق هذه التدابير على دول أخرى.
ومبدأ عدم الانتقائية يعزز مبدأ ضرورة المعالجة الجماعية، ويدعو بشدة إلى تأسيس مسبق للتدابير المتخذة باسم حقوق الإنسان. كما أن هذا التأسيس وتلك المعالجة الجماعية من شأنها تقوية حظوظ إعمال مبدأ عدم الانتقائية وعدم التمييز في اللجوء إلى التدابير المتخذة باسم حقوق الإنسان. وقد أكد على هذا المبدأ عدد من التوصيات الأممية المتخذة عندما بدت بوضوح سياسة الكيل بمكيالين التي ينهجها عدد من الدول المتقدمة في موقفها من انتهاكات حقوق الإنسان(24).

المبدأ التاسع : مبدأ الرقابة الدولية على التدابير المتخذة باسم حقوق الإنسان
إن هذا المبدأ يصبح ضروريا انطلاقا من عدد كبير من المبادئ السابقة، خاصة عندما نكون بصدد تدابير عقابية ضد الدول التي تنتهك حقوق الإنسان. فكيف سنضمن مثلا احترام مبادئ التناسب واحترام حقوق الإنسان بمناسبة التدابير المتخذة لضمان هذا الاحترام ومبدأ الانتقائية وغيرها ؟

ثالثاً- العقبات والعراقيل أمام أعمال الحق في التنمية
يتعلق الأمر بعراقيل داخلية وأخرى مصدرها المحيط الدولي


1- العراقيل الداخلية
إن العراقيل الداخلية مترابطة، وهي تتعلق من جهة بمنع المشاركة الديمقراطية، ومن جهة ثانية بعرقلة التمتع بحقوق الإنسان في سياسات التنمية.

أ.عراقيل الحق في التنمية كحق في المشاركة في سياسات ومسلسل التنمية
إن الحق في التنمية كحق في المشاركة يصطدم بإرادة الاحتكار: احتكار السلطة والحقل السياسي وما يتفرع عن ذلك من قرارات واختيارات. ويمكن قصد فهم أعمق لهذه العراقيل تحليل استعمال السلطة كوسيلة للتراكم والعوامل المتداخلة لمقاومة توسيع نطاق المشاركة السياسية قبل الإشارة إلى التقنيات المستعملة لإفراغ الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية من محتواها ومناقشة المبررات التي تلجأ إليها الأنظمة غير الديمقراطية لمنع المشاركة والاستمرار في احتكار الحقل السياسي.


* العوامل المقاومة لتوسيع المشاركة السياسية
في الصفحات الأخيرة من بحثه حول مفهوم الحرية يخلص عبد الله العروي "(...) في محيطنا اليومي نجد ضغطا على شخصية الفرد وإهمالا لكل ما يمكن أن يدفع لازدهارها، كما نلاحظ أن مشاركة الأفراد في اتخاذ القرارات الأساسية ضعيفة جدا وأن القادة يشمئزون من أي محاولة للكشف عن أسباب هذا المستوى المتدني في مجال المشاركة. إننا نكتفي بتسجيل الواقع ولا نسب ما قد تسفر عنـه الدراسـات التي ندعو إليها بإلحاح"(25).
إن العامل الأول لضعف المشاركة يبدو بلا شك هو إرادة الاحتكار، احتكار السلطة والثروات، والتي تكشف عنها الأنظمة غير الديمقراطية. ويتعزز هذا الوضع عندما يجد في البنية الاجتماعية وفي الثقافة السياسية السائدة أرضية غير مسهلة لإنجاح المشاركة. ويزداد الوضع تعقيدا أحيانا كثيرة بسبب العوامل الخارجية المؤثرة سلبا على التطورات في العالم الثالث.


إن السلطة في دول العالم الثالث غالبا ما تستعمل كوسيلة لاحتكار الحقل السياسي والانفراد بالقرار وإقصاء الآخرين، بما في ذلك القوى السياسية المنظمة، من المشاركة. ولا تتاح هذه الأخيرة غالبا إلا بالقدر الذي يقتصر على مشاركة محدودة جدا في إدارة السياسة ورسم الاختيارات الكبرى الاقتصادية والاجتماعية، الداخلية والدولية. وهي لا تقبل بإمكانية تداول حقيقي للسلطة يسمح بحلول أشخاص آخرين في مواقع القرار، وسياسات جديدة يتحملون مسئوليتها في انتظار انتخابات جديدة يمكن أن تسفر عن أشخاص جدد واختيارات بديلة. فالتداول على السلطة يبدو محصوراbloqué ويكشف باحث سياسي(26) كيف استثمرت النخب التقليدية في إفريقيا في مرحلة ما بعد الاستعمار لفائدتها التنظيم السياسي والإداري للاستعمار، أي الدولة العصرية، لتعيد إنتاج نفسها تحت أشكال متجددة وموسعة.


ففي أغلب بلاد العالم الثالث فإن أهم صناعة هي السلطة، فالسلطة أخطر وأقوى أداة لتراكم وصنع الثروات. ففي غياب المشاركة، وفي غياب طبقة صناعية قوية ومستقلة عن السلطة، فإن امتلاك السلطة يعد أهم مصدر للتراكم؛ وحتى في مجال القطاع الخاص فإن النجاح فيه يتوقف كثيرا على العلاقة مع السلطة، وعلى دعمها، مع الثمن الذي ينبغي دفعه لذلك. ويوضح جورج قرم بالنسبة للعالم العربي طبيعة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص: "فهذه العلاقة لا تستهدف- كما هو الشأن في الدول الصناعة الجديدة- تشجيع تطور تكنولوجي، إنما تستهدف تحويل كل فرصة للربح إلى ربح وامتياز تتقاسمه البيرواقراطية العليا المدنية والأمنية والعائلات المالكة والمقاولون الجدد...(27)


إن السلطة كوسيلة للتراكم لا تخلق الثروة فبالأحرى لن توزعها. إنها تجمعها وتمركزها وتقصي الآخرين عنها وهذا ما يخالف تماماً مبادئ الحكم الجيد والعادل والشفاف والديمقراطي.


إنه يجب تصور آثار ذلك على جملة من الحقوق أهمها الحق في المساواة وتكافؤ الفرص. كما يجب تصور الحقيقة على نوعية الاختيارات وعقلانيتها ومردوديتها، وآثار استعمال المال العمومي، ففي كل هذه الحالات هل يمكن القول بأن الدولة، كما تنص على ذلك المادة (2) من العهد الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قد اتخذت "كل التدابير" قصد "إنجاز تدريجي للتمتع الكامل بالحقوق" التي ينص عليها العهد "وفق الحد الأقصى للموارد المتاحة" مع "استعمال عقلاني وعادل لهذه الموارد"، "لضمان ممارسة الحقوق المنصوص عليها دون تمييز مبني على العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل"؟


أساليب انتهاك الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية
تهدر هذه الحقوق بأشكال مختلفة. فبالنسبة للحق في انتخابات حرة ونزيهة:
هناك دول لا تجرى فيها انتخابات على الإطلاق، وهناك رؤساء يبقون في مناصبهم مدى الحياة، ويعدلون الدساتير لتسمح بتمديد فترات ولايتهم طبقا لذلك، أوهم يورثون السلطة لأبنائهم، ولا يتورعون عن التقدم كمرشحين وحيدين في الانتخابات الرئاسية ليفوزوا بنسبة لا تقل عن99 %!. ويقصى عدد من المواطنين من الانتخابات على أساس جنسي (المرأة) أو عرقي أو سياسي. وعندما تتم الانتخابات - سواء كانت رئاسية أو تشريعية أو بلدية- فإنها تتميز أحيانا كثيرة بتدخل السلطات لضمان النتائج المرسومة سلفا لفائدة السلطة أو الأحزاب الحاكمة أو مقربيها. وقد اتخذ التزوير في بعض البلدان شكل شراء الأصوات في الانتخابات مما أعطى هيئات قائمة على الفساد وساعية إليه- وهكذا تفقد الانتخابات مصداقيتها كوسيلة للمشاركة في الشؤون والعامة.

وبالنسبة للحق في حرية تكوين الجمعيات:

هناك دول يمنع فيها تأسيس الجمعيات والنقابات والأحزاب ببساطة. ورغم انهيار ظاهرة الحزب الوحيد لازالت التعددية مقيدة أو مشوهة لفائدة أحزاب السلطة أو المقربة منها، حيث تحظى بأشكال متنوعة من الدعم (المالي والسياسي والإعلامي..) خرقا لمبدأ تكافؤ الفرص. ويتم التضييق على الجمعيات والأحزاب والنقابات المستقلة بشتى الأشكال. وتقود هذه الممارسات إلى منع الأحزاب الأصيلة من التجذر ومن القدرة على تأطير المواطنين وتعبئتهم، وهو ما يساهم بدوره في عزوفهم عن المشاركة السياسية المجزية. أو اللجوء إلى السرية والتنظيمات المتطرفة والعنيفة.

أما بالنسبة للحق في حرية الرأي والتعبير:

فإنه يظل مقيدا بالعراقيل السياسية والقانونية وبهيمنة الإعلام الرسمي، الذي لا يقوم بوظيفة الإخبار والتنوير بل يقوم بوظيفة الدعاية والتعتيم وإضفاء المشروعية على النظام القائم. أما الصحافة الحرة أو المعارضة فإنها تواجه في طريقها عراقيل متعددة: فهناك العراقيل القانونية التي تمنع أو تقيد حقها في الوجود وفي الوصول إلى الخبر، وتهددها بالحجز والمصادرة والمنع عن طريق تجريم ممارسات عادية؛ وهناك عراقيل مادية وبنيوية ناتجة عن تقلص سوق القراء وانتشار الفقر والأمية وغلاء تكاليف الطبع والتوزيع وتحكم السلطة في الإشهار ولاسيما العمومي، أو إشهار الشركات الكبرى عامة كانت أو خاصة. وهكذا يضيق الخناق على تنظيمات المعارضة ووسائل تأطيرها وتعبيرها وتعبئتها للرأي العام وحظوظ فوزها في الانتخابات. وعندما لا يكفي كل ذلك يسلط القمع البوليسي والقضائي المباشر على قادتها ومناضليها عن طريق محاكمات سياسية، توفر لها ترسانة قانونية قمعية، ترتبط بجرائم أمن الدولة، أو بخرق قوانين الصحافة أو الأحزاب أو الجمعيات أو – وهو الجديد- قوانين مكافحة الإرهاب، حيث يمثل مناضلوها بعد محنة الاعتقال وسوء المعاملة، أمام قضاء تنعدم شروط استقلاله ونزاهته، ولا تتوفر لهم الحدود الدنيا لشروط المحاكمة العادلة وضماناتها.


المبررات السائدة لمنع المشاركة السياسية(28)
يمكن الحديث عن ثلاثة مبررات:

1- المبررات السياسية:

 المرتبطة إما بضرورات المحافظة على الأمن والاستقرار والنظام العام – وقد غذتها في السنوات الأخيرة ذريعة مكافحة الإرهاب(29)- وإما بضرورات التنمية السريعة وتحقيق الإجماع الوطني...الخ.

2- المبررات الثقافية:

 التي تعتبر الديمقراطية وحقوق الإنسان مفاهيم غربية ودخيلة على الحضارة والثقافة المعنية- وتهدد تماسك المجتمعات وأصالتها وهويتها وقيمها- التي تقدم بكونها إيجابية وملائمة لواقعها، هذا رغم انضمام العديد من هذه الحكومات إلى الاتفاقيات العالمية لحقوق الإنسان. محتكرة هي نفسها تفسير ما تعتبره هوية الشعب وأصالته وقيمه في غياب أي وسيلة للتعبير الحر من الشعب عن اختياراته ؟.

3- المبررات القانونية:

 وهي تتجلى من جهة في التوسع في القيود على الحقوق باسم القانون والنظام العام والأمن العام والأخلاق العامة ومكافحة الإرهاب والجريمة...الخ، ومن جهة ثانية في اللجوء المفرط إلى حالات الطوارئ والتوسع غير المشروع في السلطات التي تخولها.


ب- القيود على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومبرراتها
بالنظر لاحتكار السلطة والثروات وتفشي الفساد ونهب المال العام، لا تقل انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن انتهاكات الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية، كما تكشف عن ذلك وضعية الحق في التعليم والتكوين، وحقوق العمال، وحقوق الفئات الضعيفة في السكن والدخل والصحة والغذاء والوصول إلى الموارد والخدمات.


وتستخدم لتبرير هذه الانتهاكات ذرائع شتى:
1- فمن جهة يتم تقديم معطيات وإحصائيات للتدليل على الجهود المبذولة للنهوض بتلك الحقوق.


2- ومن جهة ثانية يتم التذرع بنقص الموارد والإمكانيات وبحصول عوامل خارجية عن إرادة السلطات، ترجع إما لمعطيات مرتبطة بالاقتصاد العالمي أو بكوارث طبيعية...


3- وأخيرا يتم اللجوء إلى مبررات أيديولوجية وأكثرها انتشارا اليوم هو التركيز على ضرورة الإنتاج قبل التوزيع، والاستثمار قبل التشغيل، وتعبئة الموارد من منظور الاقتصاد الرأسمالي قبل الحديث عن إشباع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والحفاظ على التوازنات المالية للمدى القصير قبل التوازنات الاجتماعية التي تترك إلى الأجل الطويل. وأحيانا ما يقدم التفاوت الاجتماعي نفسه كحافز للتنمية الاقتصادية، باعتبار الطبقة الرأسمالية هي من يحفز الاستثمار والشغل وبالتالي النهوض بالحاجيات الأساسية للفقراء عندما تكثر الخيرات وتفيض، ويصيب فيضها الفقراء بنصيب.


ولا تصمد هذه المبررات أمام التمحيص. فالفقراء بل الطبقات الوسطى تزداد أوضاعها سوءا، ولم تعمل برامج التقويم الهيكلي التي اتبعت بتعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتفشي الفساد وانتهاك حقوق الضعفاء إلا على زيادة إدماج الاقتصاديات الوطنية من موقع التبعية في الاقتصاد العالمي، وازدياد ثراء الطبقات الميسورة والحاكمة وهما مترابطتان- في حين ازداد الهيكل الاجتماعي تشوها بتكاثر أعداد الفقراء وتردي ظروف عيشهم وبالتالي حقوقهم.


وفي بلاد كثيرة من العالم الثالث لا تكمن المشكلة في نقص الثروات بل في سوء توزيعها. كما لا تكمن في العوامل الخارجة عن إرادة السلطات وحدها، ذلك أن هذه العوامل هي معطيات يمكن التنبؤ بها أو يجب توقعها. ويدخل في مسئولية أي سلطة مسئولة أن ترصد لها احتياطات معقولة، وسياسات ملائمة، بما في ذلك اللجوء إلى التعاون الدولي. وأخير فإن المبررات التي ترى أنه يمكن تأجيل احترام وضمان ممارسة حقوق الإنسان إلى حين تحقق التنمية الاقتصادية لا يمكن قبولها بكل بساطة، لأنها تخالف التزامات الدول، ولأنه لا يمكن التضحية بالإنسان وبأجيال باسم النمو الاقتصادي- ولاسيما إذا تم ذلك في غياب أي مشاركة ديمقراطية حقة، وأمام حقائق تدحض هذه الادعاءات، فالتنمية الاقتصادية المستديمة لا يمكن أن تتم إلا بمشاركة واعية لمواطنين تلقوا تكوينا وتربية جيدة ويتمتعون بصحة جيدة، كل ذلك في إطار ديمقراطي تحترم وتمارس فيه حقوق الإنسان.


2- العقبات الدولية أمام إعمال الحق في التنمية

لعل أهم العقبات الدولية أمام إعمال الحق في التنمية تكمن في التدخلات متعددة الأشكال التي تقوم بها بعض الدول العظمى، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية. فإلى جانب استخدام مجلس الأمن تنحو هذه الدولة العظمى إلى استعمال القوة العسكرية بشكل انفرادي حتى بدون غطاء للشرعية الدولية (النقطة الأولى) وعلى صعيد العالم الثالث برمته يستمر تدخل المؤسسات المالية الدولية لفرض نموذج اقتصادي واجتماعي وسياسي يضرب أسس الحق في التنمية (النقطة الثانية). أما التعهدات الدولية في مجال المساعدة على التنمية فإنها لا ترقى إلى ما يتطلبه الوضع، وتكتنفها تناقضات خطيرة تحد كثيرا من فعاليتها أمـام قوة الآليات والممارسات المنافية للحق في التنمية (النقطة الثالثة).

أ- التدخل العسكري باسم مجلس الأمن أو بدونه
إن الخطر الكامن في مجلس الأمن يتمثل أولا في كونه جهازا غير ديمقراطي يمنح امتيازات غير عادية للدول دائمة العضوية. كما أنه جهاز سياسي غير محايد، ويقوم بوظائف قضائية وتنفيذية! فهو يوجه التهم ويحاكم ويصدر الأحكام ويتولى تنفيذها! خارج أي رقابة مستقلة على مشروعية قراراته وسلوكيات أعضائه للنظر في خضوعها لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي.

وهذا ما لمسناه بصفة متزايدة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الأولى.
لقد استخدمت الولايات المتحدة في أحيان كثيرة مجلس الأمن لخدمة أهداف سياستها الخارجية، مستغلة العيوب الكامنة في تشكيلة هذا الجهاز الخطير، والمساومات والضغوط التي يمكن أن تمارسها على بقية الدول.

 وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، قامت بتدخلات عسكرية في تجاهل تام لمجلس الأمن ولاسيما في العراق عندما اتضح لها أن المجلس لن يبارك عدوانها. فبعد انهيار المنظومة الاشتراكية، وبعد أحداث11 أيلول (سبتمبر) 2001، يبدو الجنوب ولاسيما العالمين العربي والإسلامي كمنطقة أخطار للشمال، ولا يوجد إلا طريقتين لمعالجة هذه الأخطار: إما بالتصدي للأسباب البنيوية لهذه المشاكل التي تجد جذورها في الإقصاء والاحتلال والعدوان واحتكار السلطة والثروات، سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الدولي؛ وإما بمعالجة هذه الظواهر من منظور أمني عسكري عند الضرورة. فهذا المنظور يقدم طوق النجاة لفئات محافظة شتى (كوادر عسكرية، صناع أسلحة تهددهم التخفيضات المحتملة في ميزانيات الدفاع، أحزاب وقوى يمينية حرمت من "العدو" الشيوعي الذي كان يحقق التلاحم بين أتباعها ويعززه)، ووجدت بذلك عدوا بديلا.

ورغم أن الولايات المتحدة يمكنها تحدي المجتمع الدولي كما فعلت في العراق فإنها لم تفعل ذلك إلا بعد أن يئست من مباركة مجلس الأمن لعدوانها ذلك أن تدخل مجلس الأمن يعد ضروريا لتغطية التدخل العسكري والأمني بالنسبة للولايات المتحدة لأربعة اعتبارات، على الأقل:


(1) إذا كان التدخل في صيغة الحروب ضعيفة الكثافة، كما تم الأمر ضد نيكاراجوا في الفترة ( 1979- 1989) مثلا، يمكن القيام به بوساطة أنظمة حليفة أو بدعم الثورات المضادة مع تدخلات مباشرة محدودة للولايات المتحدة، فإن التدخل في حروب متوسطة أو عالية الكثافة يتطلب تدخلا مباشرا وشاملا من الولايات المتحدة. ودون غطاء شرعي، سوف يبدو للعيان عدوانا لا يطاق من المجتمع الدولي؛


(2) إن الولايات المتحدة، رغم خرقها للشرعية الدولية، هي مع ذلك دولة ذات حساسية شديدة للاعتبارات القانونية الشكلية. وأي رداء يمكنها من الوصول إلى نفس الأهداف، بالحجم الذي أشرنا إليه، يعد أفضل بكثير من تدخل سافر وانفرادي تظهر فيه بوضوح هيمنة المصالح الأمريكية دون قناع. فغطاء الشرعية الدولية ومكافحة الإرهاب ذو أهمية أساسية بالنسبة للرأي العام الداخلي والدولي، ويجعل الولايات المتحدة تبدو كمتابعة لأهداف جماعية وموضوعية نبيلة؛
(3) إن تمويل تدخلات عسكرية ضخمة والقيام بتحريات أمنية عميقة يعد مكلفا للغاية، وتغطيته برداء الشرعية الدولية يمكن الولايات المتحدة من تعبئة موارد أخرى غير مواردها الخاصة، سواء من الدول المشاركة، أو من موارد المنظمة الدولية ( الأمم المتحدة) رغم أزمتها المالية؛
(4) إن إلباس التدخل العسكري أو الأمني كسوة تنفيذ قرارات المنظمة الدولية سوف يعد ذا طبيعة ملزمة لكل الدول، يعفيها ( أي الولايات المتحدة) من الجهود والمساعي الصعبة والمكلفة لتجنيد الحلفاء وتحييد الأطراف الأخرى. فحتى الدول التي تواصل دعمها وتعاونها مع النظام أو الأنظمة المستهدفة، فإنها في حالة ما إذا كانت الولايات المتحدة تمارس أعمالا حربية، بغطاء من مجلس الأمن ضد هذا النظام أو هذه الأنظمة، ستجد نفسها ملزمة في هذه الحالة بالتقيد بقرارات مجلس الأمن الدولي ولو كانت تضر بمصالحها. وإلى جانب هذه التدخلات العسكرية السافرة سواء باسم مجلس الأمن أو بدونه فإن الولايات المتحدة والدول القوية تمارس أشكالا أخرى من التدخل لا تقل خطورة وإن كانت تبدو شرعية تماما ويتعلق الأمر بالتدخل عبر المؤسسات المالية الدولية.
ب- التدخل عبر المؤسسات المالية الدولية
لقد نبهت عدد من الدراسات ومن المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية إلى الآثار المدمرة لبرامج التقويم الهيكلي لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(30).
وداخل لجنة حقوق الإنسان، أشارت تقارير السيد Danilo Turk، مقرر اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات، إلى الآثار السلبية لبرامج التقويم الهيكلي على هذه الحقوق(31).


وقد بدأ البنك الدولي، نتيجة لهذه الانتقادات يدعو منذ نهاية الثمانينات إلى الإقلال من الفقر وإيلاء الأهمية إلى قضايا التعليم والرعاية الصحية إلى جانب حماية البيئة وإشراك المرأة. غير أن الانتقاد الأساسي الذي يمكن توجيهه لهذه الدعوة هو أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يستمران في دعم السياسات المنتجة للفقر مع نصح الدول بتوجيه نسبة صغيرة من الأموال لمحاربة المظاهر الأكثر قسوة للفقر! دون أي
سياسة تستهدف النهوض الجدي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ذلك أن التقويم الهيكلي الحقيقي هو الذي يقوم على تقويم الاختيارات وتقوية البنى الاقتصادية والاجتماعية للحد من تبعية البلاد النامية، وتحويل الفقراء إلى طبقة أقل فقرا، أي طبقة وسطى ومتعلمة ومشاركة بفعالية في عملية التنمية وتوزيـع ثمارها(32).


إن خطورة تدخلات المؤسسات المالية الدولية تتجلى أيضا في إبطالها لمفعول السياسات والبرامج الهادفة إلى تنمية أكثر احتراما لمتطلبات المشاركة وتثمين الموارد الذاتية للبلدان النامية، وإقرار عدالة أكبر في العلاقات الاقتصادية الدولية وتحسين أوضاع أغلبية السكان. وهي سياسات وبرامج جرى تبنيها بعد صراع طويل في إطار الجمعية العامة للأمم المتحدة ومؤتمراتها الخاصة كمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ومنظماتها المتخصصة ولاسيما "اليونسكو" و"الفاو" ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية.
فبالنظر للإمكانيات المالية الهائلة للمؤسسات المالية الدولية وشمولية تدخلاتها وهيمنة منظورها ومذهبها، مقابل الإمكانيات المحدودة للمؤسسات السابقة، والتي تتحكم الدول النافذة إلى حد كبير في تمويلها هي الأخرى رغم عدم تحكمها في القرار داخلهـا، فإن المعالجـة التـي فرضتـها المؤسسات المالية الدولية كانت حاسمة التأثير. ولعل هذا هو أخطر العوامل وأعمقها لتفسير محدودية جهود الأمم المتحدة في مجالي التنمية وحقوق الإنسان. ذلك أنه إذ أخذنا المؤسسات المالية الدولية بصفتها منظمات متخصصة، ونحن نتحفظ على هذا رغم الاتفاقيات التي أبرمتها مع الأمم المتحدة(33) فإن أنشطتها تتضارب مع أنشطة منظمات متخصصة أخرى، فهي لا تبطل مفعولها فحسب بل تخلق كثيرا من المشاكل التي لا تستطيع المنظمات المتخصصة الأخرى حلها بالنظر لمحدودية وسائلها والتخلي المتزايد عن اتباع مقارباتها.

 وحتى يمكن القيام بمقاربة أكثر منهجية لأدوار النوعين من المؤسسات على ضوء الحق في التنمية يمكن اقتراح المقارنة التالية:

المنظمات مجالات المقارنة المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد، البنك العالمي) المنظمات المتخصصة (نماذج اليونسكو، الفاو، منظمة الصحة العالمية، منظمة الشغل الدولية)
الهدف من النشاط كما يتجلى في الممارسة والحصيلة -دمج دول العالم الثالث في المنظومة الرأسمالية الدولية. -خدمة أكبر لهدف كبار المساهمين ومقرضي الأموال. -الحفاظ على الوضع القائم في توزيع السلطة والثروة في العالم وداخل تلك المؤسسات نفسها. تعاون دولي أوثق مع مراعاة اختيارات مختلف الأطراف. سعى لتحسين وضعية العالم الثالث (ولا سيما الحاجات الأساسية للشعوب). التغيير السلمي للوضع القائم والقيام بإصلاحات تدريجية في اتجاه إشباع الحاجات الأساسية.
المذهب المتبع الإيديولوجية الليبرالية (مع تطبيقها حسب الدول، عدم الخضوع لمتطلباتها من قبل أقوى الأطراف في المؤسسات) التراضي في الاختيارات، خليط من التدخلية والليبرالية.
كيفية اتخاذ القرار الوزن الحاسم لكبار المساهمين التصويت الترجيحي (أقلية من الأعضاء يملكون أغلبية الأصوات). القرار نتيجة لمشاركة تراعى وجهة نظر مختلف الأطراف وعند الضرورة التصويت، أغلبية الأعضاء يملكون أغلبية الأصوات.
"موضوعية" القرار والأنشطة عوامل سياسية وإيديولوجية لا تتماشى دائما مع مبادئ وأهداف الميثاق ومتطلبات الحق في التنمية. عوامل سياسية وإيديولوجية أكثر توازنا غالبا ما تتماشى مع مبادئ وأهداف الميثاق ومتطلبات الحق في التنمية.
- الإمكانات المالية - الوضع المالي - شكل المساعدة هامة جدا(34) مريح، تحقيق أرباح قروض مشروطة محدودة بالنظر للمهام حرج، عجز دائم هبات، منح، مساهمة في المشاريع، تكوين الخبرات المحلية
أمثلة: التعليم إخضاعه لمتطلبات التقشف، القيام بإصلاحات في هذا الاتجاه، تشجيع التعليم الخاص، مع اعتبار المحتوى للتشجيع وهو التوجه نحو السوق(35) إخضاعه لمتطلبات إشباع الحق في التعليم ومنع التمييز وتعميم التعليم، ومساعدة الفئات الأكثر ضعفا، احترام أكبر للاختبارات الحضارية، نشر قيم حقوق الإنسان.
الصحة اعتبارات التقشف، تشجيع القطاع الخاص، إخضاع الصحة لقواعد السوق: تجارة الأدوية. اعتبارات مراعاة الصحة للجميع، الاهتمام بالرعاية الصحية الأولية، مفهوم الأدوية الأساسية(*)، اهتمام بوضعية الفئات الأكثر تضررا
الفلاحة والتغذية اندماج الفلاحة الوطنية في السوق الدولية، تشجيع الزراعات التصديرية، أهمية القدرة الشرائية للحصول على الغذاء، تطبيق " حقيقة " الأسعار، الدور الكبير للمساعدة الغذائية، التبعية التكنولوجية والتجارية والمالية في المجال الفلاحي. تشجيع الاكتفاء الذاتي الغذائي والزراعات المعاشية، تشجيع التدخل لدعم إمكانية الوصول إلى الغذاء، تنبيه إلى خطورة التبعية الغذائية، السعي لتقليص التبعية التكنولوجية والتجارية والمالية.
الشغل وظروف الشغل تزايد البطالة بسبب التبعية وسوء توزيع الثروات، اعتبار الشغل من تكاليف الإنتاج التي ينبغي ضغطها كعنصر للتنافسية(36). دعوة إلى تطوير واستخدام أكبر للمهارات المحلية. دعوة إلى مراعاة ظروف الشغل وقواعد حقوق الإنسان في الشغل
الحصيلة إنتاج وإعادة إنتاج موسعة للاحتكار والإقصاء والعنف التلطيف من حدة الاحتكار والإقصاء والعنف

جـ- حدود الأفضليات وتناقضات الاشتراطية
إن الالتزام بمساعدة الدول النامية يعد مكونا من مكونات الحق في التنمية سواء في مجال التجارة الدولية ( نظام الأفضليات) أو المساعدة العمومية على التنمية، وهو التزام يقبل بل يحبذ اشتراطية للمساعدة مقرونة باحترام حقوق الإنسان. غير أن مختلف تطبيقات هذا المبدأ تكشف عن حدود جدية وتناقضات خطيرة، تجعل المبدأ رهينا بالمصالح والاختيارات التي تحددها الدول المانحة بكل حرية.


حدود المساعدة العمومية على التنمية
إذا كانت الدول المانحة نفسها ما فتئت تكرر التزامها بتخصيص نسبة0,7% من دخلها الوطني الخام كمساعدة عمومية على التنمية، وهو التزام 
جددته في مؤتمر مونتيري بالمكسيك (21-22 مارس 2002) المخصص لتمويل التنمية- فإن الممارسة تكشف عدم التزام أهم المانحين بهذه النسبة إضافة إلى الجدل القائم حول نوعتيها. وحسب معطيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية فإن نسبة المساعدة العمومية على التنمية استمرت دون النسبة المتعهد بها حيث كانت تصل فقط إلى 0,33% طيلة عقدين من الزمان (1970-1990) وقد ازدادت هذه النسبة تقلصا خلال التسعينات بعد سقوط جدار برلين وزيادة عدد طالبي المساعدة الدولية. وهكذا تقلصت بالنسبة للعالم العربي مثلا نسبة المساعدة العمومية على التنمية كما تكشف ذلك الجدول التالي :

 

الدولة حجم المساعدة بملايين الدولارات لأهم الدول العربية المتلقية بها
  1992 1998 2000
الجزائر 405.9 388.8 162.4
جيبوتي 112.5 81 71.4
مصر 3602.5 1914.9 1328.4
الأردن 425.1 408.2 552.4
لبنان 123.5 236 196.5
المغرب 946.3 528.3 419.3
موريتانيا 200.1 171.1 211.9
سوريا 197.4 155.8 158.4
السودان 540.9 209.1 225.4
تونس 390.1 148.3 222.8
اليمن 253.9 310.2 265

 ولقد تميزت بعض الدول المانحة القليلة بتجاوز أو بلوغ نسبة 0.7 % من دخلها القومي كمساعدة عمومية على التنميـة، كالنرويـج : 1.15 %،
والدانمارك: 0.95 %، والسويد: 0.91 %، وهولندا: 0.9%، وفنلندة: 0.7 %- خلال التسعينات. كما بذلت اليابان وكندا وفرنسا وألمانيا مجهودا. وعرفت دول أخرى تقهقرا في نسبة مساعدتها العمومية وهي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا واستراليا. كما تراجعت حصة الدول العربية المانحة بسبب الحروب ونفقات التسلح وتقلص مداخيلها النفطية. ومن حيث نوعية المساعدة على التنمية كانت أحسن مساعدة أيضا هي التي تقدمها الدول الاسكندنافية من حيث تركيزها على محاربة الفقر والاهتمام بقضايا توزيع الثروة والمشاركة وحقوق الإنسان ووضعية المرأة وقضايا البيئة. وتخصص هذه الدول نفقات لقضايا الإعلام بمشاكل العالم الثالث وتربية الرأي العام فيها لتطوير موقف إيجابي من المساعدة العمومية على التنمية. أما أكبر انتقاد لنوعية المساعدة على العمومية فهو خدمتها للمصالح التجارية والسياسية للدول المانحة، كربط القروض الميسرة بشراء سلع وتجهيزات من الدول المانحة، أو التأثير على الدول المتلقية في مجال السياسة الخارجية. وبهذا فإن المساعدة لا تساعد في فك روابط التبعية بين المانحين والمستفيدين. ولذلك صارت لجنة المساعدة على التنمية( في إطار منظمة OCDE) نفسها تلح على ضرورة زيادة شفافية المساعدة العمومية وتنسيقها، وتفادي اللجوء إلى الرشوة في الصفقات الدولية.
وبسبب الاعتبارات السياسية تذهب نسبة كبيرة من المساعدة إلى الدول الأقل استحقاقا من منظور احترام حقوق الإنسان، ومن منظور الحاجيات كما يقر بذلك البنك الدولي نفسه(37). وكما تكشف عن ذلك تقارير منظمات حقوق الإنسان. وفي أحيان كثيرة لعبت المساعدة العمومية دور تسهيل الالتزام ببرامج التقويم الهيكلي التي تمليها المؤسسات المالية الدولية، ودورا ملطفا لآثارها السلبية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.


حدود الأفضليات التجارية.
لقد أبرزت أهم آليات تشجيع العالم الثالث في التجارة الدولية حدودها سواء بالنسبة لتثبيت أسعار المواد الأولية والحفاظ على دخول مصدريها، أو بالنسبة لتشجيع صادراتها الصناعية، حيث تآكل النظام المعمم للأفضليات، وتصاعدت حمائية أهم الدول المصنعة، وفرض قانون الأقوى في التجارة العالمية.(38) وقد أبرز هذه الحدود تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في إطار الإعداد للمؤتمر العالمي للتنمية المستديمة بجوهاسبورغ ( أغسطس/آب- سبتمبر/ أيلول 2000) حيث أشار إلى تعثر إنجازات "برنامج 21" (Agenda ) التي وضعها المؤتمر الأول للتنمية المستديمة بالبرازيل قبل ذلك بعشر سنوات (1992)- فلم يتم الوفاء بالوعود ولم تتم أي سياسة مندمجة ومنسقة دوليا في مجالات التمويل والتجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا. وبقيت السياسات مجزأة وتحدوها اعتبارات المدى القصير بدلا من اعتبارات ومتطلبات التنمية المستديمة. كما لم يتم الوفاء بالتعهدات المالية لأعمال "برنامج 21"، ولم تعرف آليات تحويل التكنولوجيا أي تحسن(39).


تناقضات الاشتراطية وحدودها
إن أهم نماذج الاشتراطية ترتبط بالتجربة الأمريكية وبدول الاتحاد الأوروبي. فبالنسبة للتجربة الأمريكية يمكن الخروج بخلاصة تسمح بوصفها أنها انفرادية في وضعها، وعقابية في فلسفتها، وانتقائية في تطبيقها. فهي وضعت بواسطة قوانين تبناها الكونغرس الأمريكي في مجالات المساعدة الأمنية والاقتصادية والبنوك متعددة الأطراف والتجارة الخارجية، ولم تكن نتيجة مشاورات أو توافق دولي. وهي عقابية في فلسفتها لأنها تنطلق من منع المساعدة على الدول التي تنهج حكوماتها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ولا تنطلق من مقاربة تشجيعية للدول التي تحترم هذه الحقوق.


ولو اقتصر الأمر على ذلك وطبق بشكل جيد لكان مسألة إيجابية. غير أن التطبيق كشف عن انتقائية خطيرة. فلم تعاقب أنظمة كثيرة، انخرطت في انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان لكونها حليفا استراتيجيا أو سياسيا أو شريكا تجاريا كبيرا للولايات المتحدة الأمريكية. وكان استمرار المساعدة للأنظمة القمعية يتم بمبرر ضرورة استمرار التعاون والتواصل معها وتشجيعها على تحسين سجلها في ميدان حقوق الإنسان. وكان الكيل بمكيالين واضحا عندما يتعلق الأمر بالعقوبات الاقتصادية ضد دول مثل ليبيا أو نيكاراغوا (في عهد السانديتسا) فقد كانت الولايات المتحدة ترى أنه يجب فرض عقوبات صارمة لحملها على تغيير سياساتها، ولم يتم اللجوء إلى نظرية "التحسن"improvment doctrine أو "الالتزام البناء" Constructive engagement التي كانت منتهجة مثلا إزاء جنوب أفريقيا العنصرية أو الفليبين في عهد ماركوس، أو السلفادور أو الشيلي في عهد بينوشيه وغيرها من الدول القمعية الصديقة. كما أن القوانين التي كانت تعاقب صادرات بعض الدول بدعوى انتهاكاتها لحقوق العمال لم تتخذ من منظور تشجيع حقوق العمال وفقا لمتطلبات منظمة العمل الدولية، بل من منظور حمائي، لأن انتهاكات حقوق العمال كان ينظر إليها فقط كممارسة تنافسية غير مشروعة تضر بتنافسية السلع الأمريكية. وبذلك تضاف تلك القوانين إلى ترسانة الحمائية الأمريكية، وتحرم عدداً كبيراً من الدول من الاستفادة من أوفر مواردها وهي اليد العاملة الرخيصة، لاسيما أن الأمر لا يتم بتعاون مع منظمة العمل الدولية أو بمنظور إيجابي يرمي إلى تشجيع كل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق العمال كافة. كما أن التطبيق كان معيبا بالانتقائية التي أشرنا إليها. أما بالنسبة لتجربة السوق الأوربية المشتركة فإن اشتراطاتها في مجال حقوق الإنسان يتضمن بعض التدابير الإيجابية والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاث فئات:


1- مساعدات مالية لتطوير دولة القانون وتقوية المجمع المدني؛
2- مساعي ديبلوماسية سرية وعلنية لحمل بعض شركاء الاتحاد الأوربي على احترام حقوق الإنسان؛
3- تدابير عقابية ضـد دول تنتـهك حقوق الإنسان على نطاق واسع، أو توقف المسلسل الديمقراطي، كما حصل في السودان وملاوي وهايتي..

ورغم ذلك فإن علاقات الاتحاد الأوروبي مع شركائها من دول الجنوب لا تخرج في بنيتها العميقة عن النموذج السائد بين الشمال والجنوب.
فأهم أعضاء الاتحاد الأوروبي يعدون فاعلين أساسيين في المؤسسات المالية الدولية، ويباركون برامج التقويم الهيكلي بعواقبها الوخيمة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعلى البني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. بل إن معاهدات لومى تضمنت مقتضيات لدعم التقويم الهيكلي. كما أن مجال العلاقات التجارية والمالية والتكنولوجية وتجارة الأسلحة لا يساهم كثيرا في تحسين أوضاع الدول النامية. ويعرف الاتحاد الأوروبي بسياسته الحمائية أمام الصادرات الفلاحية. كما يسعى لاستغلال خيرات العالم الثالث كمنتوجات الصيد البحري مثلا مع المغرب وموريتانيا بشروط لا تحترم الثروات الطبيعية، ولا تستجيب للمطالب المالية، كما كشفت عن ذلك المفاوضات العسيرة حول الصيد البحري بين المغرب والسوق الأوربية المشتركة طيلة التسعينيات. وأخيرا، وبعيدا عن متطلبات الاشتراطية، فقد منحت أكثر المساعدات لدول لا تحترم الديمقراطية وحقوق للإنسان كما هو الحال مع مصر وساحل العاج والكاميرون وتركيا وإثيوبيا... والخلاصة أن اشتراطية حقوق الإنسان كما تطبق حاليا لا تحترم المبادئ التي يتطلبها الحق في التنمية والتي أشرنا إليها بالفصل الثاني من هذه الدراسة. فهي تحتاج أساسا إلى دمج حقوق الإنسان في قوانين وسياسات وبرامج المؤسسات الدولية بما فيها المالية كما سنرى في الفصل الرابع.

د- متطلبات إعمال الحق في التنمية
إن متطلبات إعمال الحق في التنمية يمكن تقسيمها إلى متطلبات داخلية ودولية. ويتطلب الأمر تعبئة سياسية لإقرار إصلاحات كفيلة بتحقيـق مضمـون هـذا الحق كحق من حقوق الإنسان وحق من حقوق الشعوب.


(1) الإصلاحات اللازمة على المستوى الدولي تتعلق الأولويات الملحة في هذا المستوى، على ضوء العراقيل الخطيرة التي تواجهها حقوق الإنسان والشعوب، بضرورة إصلاح المؤسسات المالية الدولية من جهة، وإصلاح مجلس الأمن من جهة ثانية.


(أ) إصلاح المؤسسات المالية الدولية يجب أن يندرج هذا الإصلاح بطبيعة الحال في إطار إصلاح شامل لمنظومة الأمم المتحدة، لضمان انسجام المنظور، وتأسيس حقوق الإنسان في أنشطة التنمية بناء على المعايير التي أشرنا إليها سابقا بشأن اشتراطية حقوق الإنسان. فحتى لا تصبح أنشطة التعاون الدولي مكرسة لنماذج تنموية استغلالية وقمعية فإن الحق في التنمية يتطلب أيضا احترام ودعم احترام حقوق الإنسان والشعوب من جانب المنظمات الدولية. وهذا الالتزام يقع على عاتق الوكالات الدولية التي تعمل في إطار نظام الأمم المتحدة والتي أصبحت بدورها إطارا لدعم حقوق الإنسان بواسطة اتفاقيات وتوصيات عديدة (منظمة العمل الدولية، منظمة الصحة العالمية، اليونسكو..)، كما يقع كذلك على عاتق المؤسسات المالية الدولية بناء على اعتبارات عديدة:

2- إن مواثيق هذه المؤسسات المالية نفسها تضع من بين أهدافها: "رفع مستويات المعيشة في البلاد النامية بتوجيه الوارد المالية من البلاد المتقدمة نحو هذه البلاد (البنك الدولى)(40). "وتسهيل الازدهار والنمو المنسجم للتجارة الدولية والمساعدة بذلك على إقرار، والحفاظ على مستويات مرتفعة من النمو والتشغيل والدخل الحقيقي وعلى تنمية الموارد المنتجة لكل الأعضاء (...) وزرع الثقة في الدول الأعضاء وذلك بوضع الموارد العامة للصندوق رهن إشارتهم بشكل مؤقت (...) ومنحهم بذلك إمكانية تصحيح الاختلالات في موازين مدفوعاتهم دون اللجوء إلى تدابير مضرة بالازدهار الوطني أو الدولي" (صندوق النقد الدولي)(41).


مع الربط المعترف به على نطاق عالمي اليوم بين تنمية الاقتصاد والتنمية البشرية التي تراعي حقوق الإنسان، فإن المؤسسات المالية الدولية تعد مقيدة بهذا المفهوم المتفق عليه عالميا للتنمية، ويجب أن تتوجه لخدمة حقوق الإنسان ولا يمكن أن تتجاهلها وبالأحرى يجب أن لا تساهم في انتهاكها. وهذا الاعتبار الثاني يعزز التزام المؤسسات المالية الدولية بحقوق الإنسان على غرار باقي أشخاص المجتمع الدولي؛
3- لا يمكن القبول باشتراطية في اتجاه واحد في القانون الدولي، ترتب على الدول النامية وحدها التزامات في مجال حقوق الإنسان في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، فالاشتراطية تعد شاملة بحيث ترتب على الدول المتقدمة والمنظمات الدولية بدورها التزامات باحترام وتشجيع حقوق الإنسان، ولاسيما أن عددا من الاتفاقيات الدولية والنصوص، بما في ذلك إعلان الحق في التنمية، والمبادئ المكرسة في القانون الدولي، تؤسس واجبا بالتعاون والمساعدة في هذا المجال، ولا يمكن اعتبار هذا الالتزام لا يهم المؤسسات المالية الدولية؛
4- إن حقوق الإنسان لا يتصور أن يتم احترامها وتوفير شروط أعمالها تلقائيا ودون أي سياسة هادفة لذلك، وهذا ما يفسر وجود التزامات على الدول والمنظمات الدولية بهذا الصدد؛
5- ويستتبع ذلك أن القول "بالحياد السياسي" "والتخصص الاقتصادي" أو "الفعالية التقنية" لا يبرر بأي حال تشجيع سياسات تضر بحقوق الإنسان، فالالتزام بمعايير حقوق الإنسان لا يمس إطلاقا بالحياد السياسي ولا بالفعالية الاقتصادية أو التقنية للبرامج والسياسات، بل على العكس من ذلك، فإن تطبيق معايير موحدة وسياسات متفق عليها ديمقراطيا في إطار جماعي يكسب المنظمات الدولية مصداقية ونزاهة وقوة، كما أنه يساهم في تحقيق أهداف هذه المؤسسات وزيادة فعاليتها، ذلك أن احترام حقوق المشاركة وتقوية أسسها سيزيد شفافية المشاريع، ويرشد الاختيارات، ويمكن من المحاسبة والمراقبة، ويزيد حماس السكان، ويضمن مراعاة حقوقهم، وبالتالي تحقيق الأهداف التنموية السليمة للمشاريع"(42).

كما أن أخذ حقوق الإنسان بالاعتبار لا يعد انحيازا سياسيا، سواء بتشجيع الأنظمة المحترمة لها، أو بالتصويت ضد منح قروض للأنظمة المنتهكة لها، فهذا لا يتناقض مع مواثيق هذه البنوك(43)؛
6- وعلى العكس مما سبق فإنه لا يجوز التصويت لصالح المساعدة التي تؤدي إلى تدعيم سلطة الأنظمة المنتهكة لحقوق الإنسان أو التصويت على مساعدات لبرامج أو مشاريع من شأنها أن تؤدي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان أو المزيد من الحرمان من التمتع بحقوق الإنسان؛
7- ومثلما اعترف البنك الدولى بضرورة أخذ اعتبارات البيئة وحقوق السكان الأصليين والحد من الفقر ودعم مشاركة المرأة وتعويض السكان المرحلين بمناسبة المشاريع بعين الاعتبار في خطابه ثم في المعايير التي تدخل في إقرار المشاريع، فإنه يجب أن يذهب أبعد من ذلك لأخذ اعتبارات حقوق الإنسان، كل حقوق الإنسان، بالاعتبار، وبشكل منهجي، ومن منظور أنها التزامات تتطلب أن تدمج في سياساته العامة ومشاريعه الخاصة. وهذا الأمر يسري على صندوق النقد الدولي بدوره؛
8- إن المساعدات التي تقدم والاتفاقيات التي تبرم مع الحكومات تتم باسم الشعوب، وباعتبار ممثلي الحكومات ممثلين للشعوب، ويدعى الجميع أنها تتم لمصلحة هذه الشعوب، وعمليا فإن الشعوب هي التي ستؤدي تكاليفها، وهي التي ستستفيد أو تتضرر منها. وبالتالي فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض أن تحترم حقوق الشعوب وحقوق الإنسان في المشاركة، وألا تفرض عليها سياسات أو مشاريع لا تقبلها لأنها تلحق بها الأضرار. أو تطبق عليها مشاريع دون أن تعلم عنها شيئا لا مباشرة، ولا عبر ممثليها الحقيقيين، ولا عبر وسائل الإعلام. وهذا يفترض أن اشتراط الديمقراطية والحق في الإعلام والمناقشة والتعبير الذي تلح عليه الدول المتقدمة في علاقاتها الثنائية أو الجماعية مع العالم الثالث، والذي يجد سندا له في التزامات كل الدول بحقوق المشاركة، يجب أن يمتد إلى المؤسسات المالية الدولية، لأن الالتزام بدعم وتشجيع حقوق الإنسان يقع على كل واحد ولا يمكن تفويضه إلى الآخرين(44). ويقتضي التأويل السليم له إقرار الاشتراطية الديمقراطية في المنظمات الاقتصادية الدولية؛
9- إن القناعة المركزية للحق في التنمية، وبقية حقوق الإنسان في مغزاها العميق، هي بكل بساطة أن المواطنين يجب أن تتاح لهم فرصة المشاركة في قرارات التنمية والتأثير الحقيقي عليها لأنها تمس مصالحهم وحقوقهم ووجودهم، والمشاركة وحدها تضمن أخذ الحقوق بعين الاعتبار. إن فرض المشاريع والسياسات لا يتجاهل فقط حقوق المشاركة ويضرب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية على المدى القصير، ولكنه يذهب عميقا في الضرر لأنه يلحق الإضرار أيضا بالحقوق الثقافية عندما يؤثر على نموذج التنمية وأخلاقياتها، فصياغة السياسات والبرامج من طرف نخبة غربية وبيروقراطيات المنظمات الدولية وكذا "تقنوقراطيي الدولة العصرية"، دون أدنى اعتبار لرأي السكان، يشكل
نوعا من الاستعمار الثقافي، وتعاليا واحتقارا للمواطنين، وبناء تبعية بعيدة المدى، وتحطيم أنظمة المناعة وقدرات البناء الذاتي التي لا يمكن تطويرها دون مشاركة. ويزيد هشاشة السكان والبلدان، ويسهم في انقراض ثقافتها المحلية التي لم تعد تجد سندا ماديا لدعم استمراريتها وتطويرها بشكل إيجابي وواع، خاصة أمام الأشكال الأخرى من الهيمنة والعدوان الإيديولوجي والإعلامي بل والعسكري؛

10- والخلاصة أنه لا يمكن التدرع بنظريات ومفاهيم المؤسسات المالية ولا بقوانينها، التي تؤول تأويلا لا ينسجم مع متطلبات القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة ومعايير حقوق الإنسان،(45) لتجاهل أخذ حقوق الإنسان والشعوب بالاعتبار في أنشطتها.
ولا يفرض الالتزام مجرد الحرص على عدم خرق الإنسان في أنشطة التعاون الدولي وعلى رأسها الحق في المشاركة بل إنه يتطلب أكثر وأحسن من ذلك: تشجيع حقوق الإنسان في هذه الأنشطة بتبني المفهوم الصحيح للتنمية وإعطاء الالتزام بحقوق الإنسان فيها كامل مغزاه كما يتطلب ذلك الحق في التنمية، وهو أمر سياستهم فوق ذلك في تحسين نوعية المساعدة وفعاليتها.

أ- إصلاح مجلس الأمن
لا تتجلى مخاطر مجلس الأمن فقط في استعماله لخدمة أهداف السياسة الخارجية لحفنة من القوى العظمى أو لإحداها على حساب المصالح الموضوعية لأغلبية المجتمع الدولي ولكثير من الدول التي تجد نفسها بدون حماية. بل إن مجلس الأمن صار يستعمل لعرقلة فعالية العدالة الجنائية الدولية كما يتجلى ذلك بوضوح بمناسبة إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وبعد دخوله حيز النفاذ(46).
كما أن سياسات العقوبات الاقتصادية كما طبقت على العراق أو ليبيا كانت ضد الحق في التنمية وحقوق الشعوب.
إن إقرار عدالة دولية شاملة إلى جانب متطلبات الحفاظ على السلم بفعالية طبقا لميثاق الأمم المتحدة ولمتطلبات الحفاظ القانون الدولي المعاصر يتطلب إصلاح مجلس الأمن في ثلاثة اتجاهات بحيث يصبح:


• جهازا تمثيليا لكافة الحضارات والقارات والمصالح؛ • جهازا تصدر قراراته بكيفية تعبر عن إرادة أغلبية دول العالم، • جهازا يصدر قرارات تتماشى مع مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي المتعارف عليها.

2- الإصلاحات اللازمة عل المستوى الوطني
إن مسألة الديمقراطية لم تعد مجرد أداة لإنجاز التنمية وحقوق الإنسان، بل أصبحت بالنسبة للشعوب قضية أمن قومي كما خلصت إلى ذلك المنظمة العربية لحقوق الإنسان في تقريرها الأخير بعدما حصل في العراق(47).

أولا: مسؤولية القوى الديمقراطية
غير أن مصالح النخب الحاكمة أو إدراكها الخاص لمصالحها ومصالح شعوبها لا تسير دوما في اتجاه تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، رغم أن هذا التعزيز هو وحده من يكسبها مناعة في الداخل والخارج سواء ضد محاولات الزعزعة أو التدخلات الخارجية، وهما غالبا لا ينفصلان، كما أثبتت تجربة فنزويلا مؤخرا. وكما أثبتت تجربة العراق، فالنظام الدكتاتوري هو أضعف الأنظمة كما يتضح، وأشدها هشاشة في وجه التدخلات الأجنبية. وهذه الحقيقة تلقي على القوى الديمقراطية، وعلى المثقفين المتشبعين بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلى كافة التنظيمات المدافعة عن الحق والعدل والسلم، مسئوليات جسيمة لتطوير الديمقراطية في بلادهم، بحيث يمكن أن نؤكد أن المدخل السليم والصحيح لإعمال الحق في التنمية وإقرار الإصلاحات اللازمة على المستويات الداخلية والدولية هو النضال الواعي والمنظم من أجل الديمقراطية على كافة المستويات.


إن الديمقراطية يجب أن تبدأ من الفرد مرورا بالتنظيمات المختلفة من أحزاب ونقابات وجمعيات، فهي لا يمكنها أن تكون فعالة وذات مصداقية في نضالها من أجل الديمقراطية دون أن تبرهن في مسلكياتها وتنظيماتها إلى جانب خطابها عن إيمانها وتشبثها بالديمقراطية وحقوق الإنسان. إن الأوضاع المعقدة في أغلب دول العالم العربي، حيث يبدو الصراع السياسي مستقطبا بين السلطة بأجهزتها القمعية من جيش وأمن وقضاء وإدارة عليا وإعلام خاضع من جهة وقوى سياسية لا تحمل مشروعا ديمقراطيا عصريا، وإن تمثلت مشاريعها في رد فعل على الاضطهاد والإقصاء والفساد السياسي والتهميش الاجتماعي والمظالم التي يحبل بها النظام الدولي. في محيط مثل هذا يتعين في نظرنا على القوى الديمقراطية ألا تركب موجات القمع والاستئصال في مواجهة هذه القوى التي هي إفراز للسياسات التي اتبعت طويلا، وهي فوق ذلك استطاعت أن تتجذر في المجتمع، وبعضها يملك مشروعية مستحقة من نضاله ضد الاحتلال أو الاستعمار. بل يتعين على القوى الديمقراطية أن تصيغ مشروعا مجتمعيا ديمقراطيا عماده الديمقراطية وحقوق الإنسان مع تطوير القيم المحلية لملاءمتها مع القيم الكونية، ودعوة الجميع إلى التراضي حول هذا المشروع- وتثبيت هذا التراضي في دستور ديمقراطي على أساسه تنتظم الحياة السياسية. ولا يمكن لمنظمات حقوق الإنسان، وهى في صلب القوى الديمقراطية، أن تنتظر نتائج المفاوضات الدولية – علماً بأنها يجب أن تساهم فيها عبر شبكة المنظمات الدولية غير الحكومية – بل يجب موازاة مع ذلك، وبشكل أساسي، أن تطور حقوق المشاركة وفرص التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهناك عدد من المجالات التي تعد ذات أولوية في هذا المجال، وهى تتعلق بالدفاع عن حقوق المشاركة، ورفع القيود عن المجتمع المدني، وبالدفاع عن حقوق المرأة وتمكينها، وبتطوير حقوق الأطفال والفئات الشابة، وبمساندة حقوق الفئات ذات الاحتياجات الخاصة (المعوقين والمرضى مثلاً) وبمحاربة الرشوة والفساد ونهب الأموال العامة. ثانيا: ضرورة التحالفات الإقليمية والدولية يتوفر لمنظماتنا وقوانا الديمقراطية في العالم العربي، من أحزاب ونقابات ومنظمات حقوقية ونسائية ووسائل إعلام مستقلة أو مرتبطة بالقوى الديمقراطية، أسس متينة لصياغة تحالفات قومية ودولية، لأن التحديات التي تواجه الوجود الكريم
ومناهضة الحروب، وحركة حقوق الإنسان، وحركة الدفاع عن البيئة، وحركة مناهضة العنصرية... كلها حركات تجمعها روابط عديدة ونقط تقاطع كثيرة، تلتقي كلها في نواة حقوق الإنسان والشعوب. ويتعين علينا كأمة عربية وكشعوب إسلامية، ونحن أكثر الشعوب اليوم قهرا واضطهادا، أن نستثمر في هذه الحركات. وأن نقيم بيننا أولا تحالفات مدروسة على المستويات القطرية والقومية، تصيغ مشاريع مدروسة وواقعية، وتوفر لها أسس الاستمرارية والمتابعة والتنفيذ والتقييم، حتى تكون فعالة قطريا وقوميا، كشرط لفعاليتها على المستوى الدولي. إن الإصلاحات الضرورية على المستوى الدولي لن يكتب لها النجاح إلا بأنظمة ديمقراطية على المستويات المحلية والقومية، وهذه الأنظمة لن تنبني بدون نضال منظم وفعال من حركة ديمقراطية أصيلة ومتفتحة على التعاون في النضال.


في هذه المنطقة من العالم تفوق ما هو مطروح على غيرها، وذلك بالنظر لأنها تشكل بالذات منطقة ذات موارد طبيعية وبشرية هائلة، وإمكانية مشروع حضاري متكامل له من عناصر القوة والاستقلال ما يسمح لشعوبه بالمساهمة الفاعلة في تقرير مصيرها ولعب دور فاعل في العلاقات الدولية. ويتوافر للحركة الديمقراطية العربية إمكانيات تحالفات كبرى لم تستغل بعد سواء على المستوى القطري أو الجهوي أو العربي أو الدولي. فحركة مناهضة العولمة المتوحشة، وحركة السلم

الهوامش:

(1) E/CN4/2003/W.G18/2 daté du 6 décembre 2002- Etude préliminaire de l’Expert indépendant sur le droit au développement, Mr Arjun Sengupta, concernant l’incidence des questions économiques et financières internationales sur l’exercice des droits de l’Homme.

(2) Document E/CN.4/2003/7 du 12 Septembre 2002 : le Droit au Développement, Rapport du Hauts-commissairesaux droits de l’Homme présenté en Application de la résolution 1998/72 de la commission des droits de l’Homme.

(3) – يؤكد هذا التصور أيضا :
Philip Alston : Revitalizing United Nations Work on human rights and developement dans : Melbourne University Law Review- Australia-vol 18. Décembre 1991 p.255.

(4) Dominique Rousseau : Les droits de l’Homme de la troisième generation op.cit, p.136.

(5) A, pellet : The functions of the rigt to development ; a right to self realization - dans –Human right and developement- Third World legal studies- 1984, p.133.

(6) Roland Weyl : Des « droits-libertés » au « droits-pouvoirs », dans la pensée n° 277.Mais-Juin 1982, p.94.

(7) Clarence Dias : Realiser les droits de l’homme des défavorisés, dans : la revue de la C.I.J. N° 45/1990, p.43.

(8) Voir : Amnesty international : Bresil- Assassinats et complicités, Ed. Françaises d’A.I. 1988.

(9) عبد الله العروي، تصريح في برنامج رجل الساعة، القناة الثانية المغربية 4 يونيو 1992، انظر كذلك عبد الله العروي، حوار مع مجلة آفاق. لاتحاد كتاب المغرب عدد ¾-1992 الصفحات 149-170 ونفس الرأي في مؤلفه : مفهوم الحرية، الدار البيضاء، 1983، ص، 93-98 و 99
* - بالباب الثاني من القسم الأول.

(10)Alain Gewirth : human Rights : essays on justification and applications- University of Chicago Press 1982 p.322.

(11)Joseph Wresinski : grande pauvreté et précarité économique et sociale, rapport présenté du conseil économique et social (France) publié au JORF- du 28 février 1987- voir compte rendu dans : Hommes et Libertés- Revue de la ligue du droit de l’homme n° 50- 1988 pp.16-22.

(12)F.Perroux : Pour une philosophie du nouveau développement : Aubier Unesco, Paris 1981, p.51.

(13) Rapport Directeur Général de L’organisation Internationale du Travail : Les droits de l’homme, une responsabilité commune B.I.T- Genève, 1988, p, 32-33.

(14) Vernon Bogdanor : broadning participation in the electoral process- council of Europe : Parliament Democracy report- Human Rights law vol n° 4-1988, p.396.

(15)A congressman in a B.C.C program on Democracy, broadcasted on May, 6, 1991

(16)Cité par : M.Ginsberg and L.Lesser : current developments in Economic and Social Rights- a United States perspective, dans Human Rights Law Journal vol. n°3-4- 1981 p.237.

(17)HOWARD ( R) : The full belly thesis : should economic rights take the priority over civil and political rights ? Human Rights Quartarley vol 5 n° 4- 1983 p. 469-488.

(18) انظر للتعمق في هذا الموضوع أطروحتنا عن الحق في التنمية والمنشورة النجاح الجديدة- الدار البيضاء.

(19) انظر تفاصيل ذلك في مؤلفنا حول "الأمم المتحدة، التنمية وحقوق الإنسان، مطبعة النجاح الجديدة، 1995 الصفحات170-191.

(20) قضية الأعمال العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا وضدها ( الفقرة 267) من حكم المحكمة الصادر في يونيو 1986.

(21)Cité par : E.Zoller : Quelques réflexions sur les contre-mesures en droit international Public-dans : Droits et libertés à la fin du XXème siècle -Etudes offertes à C.A.Colliard.ed.Pedone 1984, p. 378.

(22) Institut de droit international Annuaire de l’institut -vol 63-1989, pp 399-440.

(23) Cour international de Justice : Affaire des activités militaires et paramilitaires au Nicaragua et contre celui-ci, arrêt du 27 Juin 1986,§ 268.

(24) Assemblée générale- Résolution 6/129 du 17 décembre 1991 « Renforcement et l’action de l’O.N.U dans le Domaine des Droits de l’Homme par la promotion de la coopération internationale, et importance de la non-sélectivité, de l’impartialité et de l’objectivité ».

(25) عبد الله العروي: مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1983 ص: 102.

(26) J.F. BAYART- Dans : L’Afrique des Bourgeoisies Nouvelles, Dossier au Monde Diplomatique- Novembre 1981 pages 17 à 21.

(27) George Corm : A quand l’ajustement structurel du secteur privé dans le Monde Arabe - Le monde Diplomatique- Décembre 1994, p.21

(28) للتوسع في هذه المبررات انظر كتابنا : الحق في التنمية بين القانون الدولي والعلاقات الدولية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء - 1998 ص 263-279.

(29) انظر مقالنا حول: أحداث 11 شتنبر 2001 وتأثيرها على المجتمعات المدنية المقدم إلى ندوة باريس للمنظمات الإنسانية غير الحكومية تنظيم اللجنة العربية لحقوق الإنسان، باريس يناير 2003.

(30) للتوسع في هذه النقطة انظر مؤلفنا عن الحق في التنمية المشار إليه سابق، الصفحات 327 إلى 355.

(31) Documents : E/CN4/ Sub2/ 1991/17-18 July 1991 Second progress report by Danilo Turk on the realization of Economic, Social and cultural Rights.

(32)Document E/ CN4/ Sub 2/ July 192, Final Report by Danilo Turk.M
تضغط تكاليف اليد العاملة باسم "البند الاجتماعي" (انظر مبحث التجربة الأمريكية في الفصل المقبل).

(33) في يوليو 1947 أبرمت المؤسستان اتفاقيات مع الأمم المتحدة طبقا للمادة 57 من الميثاق، وقد ارتفعت أصوات من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والجمعية العامة حول مدى دستورية هذه الاتفاقيات مع بعض مقتضيات الميثاق ولاسيما المواد 17، 58، 60 و 62 من الميثاق، فهذه الاتفاقيات كانت مختلفة بوضوح عن تلك المبرمة مع المؤسسات المتخصصة الأخرى، باعتبار أنها تحرم الجمعية العامة من ممارستها الحقوق التي تخول لها الميثاق ومن أهم وظائفها، ومع ذلك فقد صادقت الجمعية العامة (في 1947) والتاريخ هام جدا، أي وقت الهيمنة السياسية للدول الغربية على الجمعية العامة. على هذه الاتفاقيات التي تمنح لهذه المؤسسات استقلالاً كبيرا، انظر المطلب السابق.

(34) في نهاية 1992 وصل مجموع حصص الدول الأعضاء التي أدت مساهماتها إلى صندوق النقد الدولي وحده (167 من 178 دولة عضو) 2054 مليار دولار ( مجموع ميزانية الأمم المتحدة بمنظماتها المتخصصة وأموالها التطوعية لا تصل إلى 10 مليار دولار)- حول رأسمال الصندوق انظر مثلا: Bulletin du FMI- Octobre 1993- Supplément consacré au FMI

(35) في السنوات الأخيرة- منذ نهاية الثمانينات- ظهر خطاب " الإقلال من الفقر " بنصح بإرساء تدابير للحماية الاجتماعية للفقراء الذين سيتضررون من برامج التقويم الهيكلي، كتوسيع الضمان الاجتماعي وإحداث أشغال عمومية ودعم موجه لهذه الفئات - تدابير إدارية ومؤسساتية ومالية محدودة ) وقد بدأ خطاب أيضا عن ضرورة تحسين خدمات التعلم الأساسي والصحة العمومية ولكن من نفس منظور التقويم الهيكلي.
* - تتحدد الأدوية الأساسية بثلاثة معايير: فعالة طبيا، في متناول ذوي القدرة الشرائية المحدودة ومتوفرة باستمرار.

(36) وفي نفس الوقت يتخذ بعض كبار المانحين من هذا الوضع المنسجم مع ذلك مع سياسة هذه المؤسسات المالية، دريعة للحمائية ومعاقبة الدول التي الستراتيجية بالجامعة الأردنية-عمان –الأردن- دجنبر 2002.

(37) تقرير سنة 1990- الطبعة الإنجليزية ص 4.

(38) تعرض مفصل لذلك انظر المراجع المتضمنة في مؤلفنا حول الحق في التنمية- الصفحات 374 إلى 389

(39) Rapport du secrétaire général relatif à la réalisation de l’agenda 21 RCOSOC 18/12/2001- préparé par la commission du développement durable (Février 2002).

(40) Rapport de la Banque Mondiale 1984, p .3.

(41) Statuts du FMI- Publication du FMI – Tirage de 1984

(42) K.Tomaseski : The bank and human rights, op.cit, p . 100.

(43) Oscar Schachter : Les aspects juridiques de la politique Américaine en matière des droits de l’Homme. AFDI – 1977, p.72-73.

(44) J.C.N. Paul : International development Agencies…op.cit, pp.297 et 306.

(45) انظر إشارة للنزاع الذي ثار بين الأمم المتحدة ( الجمعية العامة) والمؤسسات المالية الدولية بخصوص عدم قبولها لتوصياتها بشأن قروض للأنظمة العنصرية ( جنوب إفريقيا) أو القمعية ( الشيلي) بالقسم الثاني، الفصل الأول، الباب الثاني من مؤلفنا عن الحق في التنمية. مشار إليه سابقا.

(46) للتوسع في هذا الأمر انظر مقالنا- العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن محاضرة في الندوة الإقليمية حول المحكمة الجنائية الدولية والعالم العربي. تنظيم جامعة بيرزيت ومركز الدراسات

(47) محمد فائق: تقديم التقرير السنوي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان للعام 2002-يونيو 2003.